مصبح باني
01-25-2008, 03:21 AM
قصة التحكيم
وإعادة قراءة التاريخ (37هـ)
يعتبر التاريخ مصدراً هاماً من مصادر حفظ كيان الأمم والشعوب, لذلك كانت كتابة التاريخ أمراً ذا حساسية وخطورة بالغتين, لما لكتابة التاريخ من أثر بالغ في تشكيل القليّات وإقناع الناس, وادّعاء الحقوق, وليس اليهود في فلسطين عنّا ببعيد, فقد امتدت أيديهم إلى التاريخ تحريفاً وتزويراً وهم يخرجون لنا النصوص والوثائق التي يحرفونها أو يحرفون مدلولاتها ليقولوا للعالم أن فلسطين أرض يهودية منحها الله لهم.
والتاريخ الإسلامي شأنه شأن تاريخ الأمم والشعوب الأخرى لم يسلم من هذا التحريف والتزوير, الذي أصبح –للأسف- كالحقائق المسلّم بها عند الخاصة والعامة على حدّ سواء, وأصبحت كتب التاريخ والأدب تعج بالأباطيل والأكاذيب, ويقدم هذا كله على أنه "التاريخ الإسلامي".
والمؤرخون والباحثون على أنواع:
الصنف الأول: لا يسرّه أن يرى راية الإسلام مرتفعة خفّاقة, ويحب أن يشوّه هذا التاريخ المليء بالجهاد والتضحية ونصرة الإسلام, ولا يرى التاريخ إلا مجموعة من الغاضبين للسلطة المعادين لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
الصنف الثّاني: الذين يخلطون بين الغث والسمين, وينقلون الروايات بلا تمحيص أو تثبيت, وبعضهم يرغب في إشباع موضوعه بغض النظر عن الروايات المنقولة.
الصنف الثالث: هم الذين يؤمنون بنصاعة تاريخنا الإسلامي وخاصة في عصوره المتقدمة, ويرون عدالة الصحابة, ويتثبتون مما ينقلونه, ويعرضون عن الروايات المكذوبة والمختلفة.
نقول هذا عن التاريخ لنعرج على حدث من أحداث التاريخ الإسلامي في عصوره المتقدمة, وتحديداً زمن الخلافة الراشدة, ألا وهو حادثة التحكيم التي جرت سنة 37هـ في أعقاب حرب صفين التي دارت رحاها بين جيش العراق الذي قاده الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجيش الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.
لقد كانت حادثة التحكيم نموذجاً للتحريف الذي أصاب كتابة التاريخ بحيث تم تصوير الرغبة في حقن دماء المسلمين وإنهاء الحرب بأنها مثال للغدر والخديعة.
ولعل الحديث عن التحكيم يعيدنا للأحداث التي سبقتها خاصة معركة صفين سنة 37هـ حيث انطلق خليفة المسلمين الإمام علي بن أبي طالب من الكوفة في العراق([1]) يريد قتال أهل الشام الذين امتنعوا عن مبايعته, حيث كان معاوية يرى أن تسليمه قتلة عثمان لأنه وليه يجب أن يتم قبل مبايعته لعلي, أما علي فكان يرى أن مبايعة معاوية –وكان آنذاك والياً على الشام- يجب أن تتم أولاّ, ثم ينظر في شأن قتلة عثمان بحسب المصلحة والقدرة.
واندلع القتال بين الطرفين, وقتل من المسلمين عدد كبير, وحلّت بالمسلمين فاجعة سرعان ما دفعت العقلاء والمخلصين من الطرفين للدعوة لوقف هذه الحرب وحقن الدماء, وكانت الرغبة بالصلح رغبة عامة, ورفعت المصاحف على الرماح رغبة في أن يتم التحاكم إلى كتاب الله.
وانتدب الإمام عليّ أبا موسى الأشعري من طرفه حكماً, وانتدب معاوية من طرفه عمرو بن العاص في محاولة منهما لنزع فتيل الأزمة ووقف الحرب.
يقول الإمام أبو بكر بن العربي في كتابه العواصم من القواصم: "وكان أبو موسى رجلاً تقيّاً ثقفاً فقيهاً عالماً, أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن مع معاذ, وقدّمه عمر وأثنى عليه بالفهم". وكذا كان عمرو بن العاص ذكيّاً فطناً صاحب رأي ومشورة. واتفق الطرفان على إنهاء الحرب, وأن يرجع كلّ منهما إلى بلده, ولم يتطرقا إلى الأمور الشائكة وهي مبايعة معاوية لعليّ, وتسليم علي قتلة عثمان إلى معاوية, وركّزا على التهدئة وترك الأمور التي سببت النزاع جانباً.
وبالرغم مما بذله الحكمان, أبو موسى وعمرو, من جهد لتسوية النزاع, وبالرغم من الأثر الإيجابي للتحكيم, إلا أن فئة من الناس لم يَرُق لها أن يضع المسلمون حدّاً لاقتتالهم, فإن في ذلك خطراً عليهم وعلى مصالحهم, ومن بين هؤلاء الخوارج الذين كفروا المسلمين عامة ومن رضي بهذا التحكيم خاصة, مدّعين أن تحكيم الرجال تعدٍّ على حكم الله وشرعه, وممن رفض هذا الصلح تلك الفئة المثيرة للفتن من أنصار عبد الله بن سبأ الذي تولى كبر فتنة عثمان رضي الله عنه, حيث كان أبرز الذين ألبّوا الناس على عثمان, وبالغوا في عليّ حتّى ألّهوه.
لم يرق لهؤلاء وغيرهم أن تتوقف الحرب بين هاتين الفئتين من المسلمين, فلفّقوا ما استطاعوا تلفيقه, وصوّروا أبا موسى الأشعري رضي الله عنه بصورة المغفل الساذج مقابل عمرو بن العاص الغادر المخادع, إذ قدّموا لنا رواية عن التحكيم بطلها وراويها هو أبو مخنف لوط بن يحيى, وهو رجل لا يوثق به, مبغض للصحابة, وأعرضوا عما رواه الإمام البخاري, فقد روى أبو مخنف هذا أن عمرو بن العاص اتفق مع أبي موسى الأشعري على عزل علي ومعاوية, فصعد أبو موسى المنبر وقال: أني أنزع عليّاً من الخلافة كما أنزع خاتمي هذا, ثم نزع خاتمه, وقام عمرو وقال: وأنا أنزع عليّاً كذلك كما نزعه أبو موسى كما أنزع خاتمي هذا, وأثبت معاوية كما أثبت خاتمي هذا.
وهذه الرواية لا يعتمد عليها لأسباب:
أولاً: السند ضعيف فيه أبو مخنف الكذاب.
ثانياً: خليفة المسلمين لا يعزله أبو موسى ولا غيره, إذ لا يعزل الخليفة عند أهل السنة بهذه السّهولة, والذي وقع في التحكيم هو أنهما اتفقا على أن يبقى علي في الكوفة وهو خليفة المسلمين, وأن يبقى معاوية في الشام أميراً عليها.
ويضيف د. حامد الخليفة في كتابه (الإنصاف) معلّقاً على رواية أبي مخنف:
((فالمغالطة هنا أن معاوية لم يكن يومئذ خليفة, ولم يكن يطالب بالخلافة, فكيف يخلع عن شيء لا يمتلكه))؟.
ولا يخفى ما تنطوي عليه هذه الروايات من قدح وذمّ في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتهام بعضهم بالغدر والخيانة, وما يخالف هذا امتداح الله ورسوله لهم.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) كان الإمام علي رضي الله عنه يتخذ الكوفة عاصمة له
للاستزاده يوجد كتاب :
ارشاد الحكيم إلى حادثة التحكيم
المؤلف جمع وترتيب / بندر بن عبدالله الثبيتي
نبذه عن الكتاب الأهداف العامة للبحث :
1-الدفاع عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
2-قراءة التاريخ بنظرة إسلامية صحيحة .
3-تصحيح كثير من القصص المكذوبة المتداولة من تلك الحادثة .
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ...
بيض الله وجهك يامصبح باني ابدعت في مواضيعك
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .
جهوووووووووودك تستحق كل الشكر عليها
وماشاء الله اله يعطيك العافيه اكثر واكثررررررررر
وحنا بمنتدانا اللي بنستفيد من نشاطك وتوجيهاتك
وخطوه تميزنااااااااااا وتثبت ان المنتدى ماشي صح
بوجودك اخ / مصبح
I الـعـمـيـد I
03-12-2008, 04:08 PM
مشكور والله يعطيك العافيه أخي مصبح
ودعواتي لك ولجميع أعضاء ومشرفي المنتدى بالتوفيق
أبو تذكار
09-13-2008, 08:28 PM
روى ابن عساكر في تاريخه وغيره هذه القصة دون تدقيق ولا تمحيص وإليك البيان :
محمد بن سعد أنا محمد بن عمر حدثني أبو بكر بن عبدالله بن أبي سبرة عن إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة عن عمرو بن الحكم قال
لما التقى الناس بدومة الجندل قال ابن عباس للأشعري احذر عمرا فإنما يريد أن يقدمك ويقول أنت صاحبك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسن مني فكن متدبرا لكلامه
فكانا إذا التقيا يقول عمرو إنك صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلي وأنت أسن مني فتكلم ثم أتكلم فإنما يريد عمرو أن يقدم أبا موسى في الكلام ليخلع عليا فاجتمعا على أمرهما فأداره عمرو على معاوية فأبى وقال أبو موسى عبدالله بن عمر فقال عمرو أخبرني عن رأيك فقال أبو موسى أرى أن تخلع هذين الرجلين ونجعل هذا الأمر شورى بين المسلمين فيختاروا لأنفسهم من أحبوا
قال عمرو الرأي ما رأيت فأقبلا على الناس وهم مجتمعون فقال له عمرو يا أبا موسى أعلمهم أن رأينا قد اجتمع فتكلم أبو موسى فقال أبو موسى إن رأينا قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح به أمر هذه الأمة فقال عمرو صدق وبر ونعم الناظر للإسلام وأهله وتكلم يا أبا موسى
فأتاه ابن عباس فخلا به فقال أنت في خدعة ألم أقل لك لا تبدأه وتعقبه فإني أخشى أن تكون أعطاك أمرا خاليا ثم نزع عنه الناس على ملأ من الناس واجتماعهم
فقال الأشعري لا تخش ذلك قد اجتمعنا واصطلحنا
فقام أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس قد نظر في أمر هذه الأمة فلم نر شيئا هو أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أن لا نبتز أمورها ولا تعصبه حتى يكون ذلك عن رضى منها وتشاور وقد اجتمعنا على أمر واحد على خلع علي ومعاوية ويستقبل هذه الأمة هذا الأمر فيكون شورى بينهم يولون منهم من أحبوا عليهم وإني قد خلعت عليا ومعاوية فولوا أمركم من رأيتم ثم تنحى وأقبل عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن هذا قد قال ما قد سمعتم وخلع صاحبه وإني أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية فإنه ولي ابن عفان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه
فقال سعد بن أبي وقاص ويحك يا أبا موسى ما أضعفك عن عمرو ومكائده فقال أبو موسى فما أصنع جامعني على أمر ثم نزع عنه
فقال ابن عباس لا ذنب لك يا أبا موسى الذنب لغيرك الذي قدمك في هذا المقام فقال أبو موسى رحمك الله غدرني فما أصنع
وقال أبو موسى لعمرو إنما مثلك كالكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث
فقال عمرو إنما مثلك مثل الحمار يحمل أسفارا
فقال ابن عمر إلى ما صيرت هذه الأمة إلى رجل لا يبالي ما صنع وآخر ضعيف
وقال عبدالرحمن بن أبي بكر لو مات الأشعري من قبل هذا كان خيرا له
*********************
(( قلت : هذا أكذب حديث يروى في قضية التحكيم وهو مسلسل بالكذابين ففيه الواقدي كذاب وشيخه أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة كان يضع الحديث وشيخه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة متروك متهم وشيخه مجهول
وعلى هذه الرواية الباطلة استند الحاقدون على الإسلام والمسلمين في مسالة التحكيم وراحوا يصفون عمرا رضي الله عنه بأقبح الصفات من غدر وخيانة ومؤامرة ولم يدر أولئك الحاقدون أنهم يستندون إلى روايات باطلة لا أساس لها من الصحة ويبنون عليها أحكاما باطلة
وهذه الرواية هي عبارة عن مسلسل درامي صاغه خيال أفاك أشر لا يمكن أن تقع على الأرض بهذا الشكل حتى عند الكفار
وإليك التفصيل حول متن هذه الرواية الباطلة :
1- لقد كان يمثل عليا رضي الله عنه مع أبي موسى أربعمائة من خيرة أصحابه وكذلك كان يمثل معاوية أربمائة من أصحابه على رأسهم عمرو بن العاص وقد حضر إلى دومة الجندل ( وهي مكان محايد بين الشام والعراق ) جميع الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة كابن عمر وسعد بن ابي وقاص وسعيد بن زيد ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وأبي هريرة وغيرهم كثير واستمر النقاش والحوار بينهم ستة أشهر وهذه الرواية الباطلة تظهر أن المسألة كانت بين أبي موسى وعمرو ليس إلا وكأن جميع الموجودين ليس لهم أي دور يذكر إلا أن يسمعوا ما يقول عمرو وأبي موسى وهذا باطل قطعا
2- المشكلة الأساسية التي سببت حربي الجمل وصفين وهي قتلة عثمان (رضي الله عنه ) لم تتعرض لها هذه الرواية لا من قريب ولا من بعيد وهذا يدل على بطلانها قطعا لأن أساس المشكلة إقامة الحد على قتلة عثمان رضي الله عنه وهم بجيش علي رضي الله عنه وتصور هذه الرواية كأن قتلة عثمان (رضي الله عنه ) انتهى أمرهم وصارت المشكلة تتعلق بالخلافة وهذا غير صحيح لأن الروايات الصحيحة تبين أن القوم جميعا قد اتفقوا على وجوب إقامة الحد على قتلة عثمان (رضي الله عنه )
3- تصوير عمرو بن العاص رضي الله عنه بالمكر والخداع منذ بداية هذه الرواية وتصوير أبي موسى رضي الله عنه بأنه رجل ساذج مغفل وهذا التصوير باطل قطعا فالأحاديث الصحيحة التي مرت معنا في فضائل عمرو رضي الله عنه وإخلاصه وتفانيه في خدمة الإسلام طوال تلك السنين ترد هذا الإفك المبين عنه ولا سيما أنه كان في آخر عمره (حيث كان عمره ينيف على الثمانين ) وهو المعروف بالحكمة أيخون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في آخره عمره فيختمه بشر ؟ هذا لا يكون أبدا
وكذلك فإن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه كان من خيار الصحابة ومن نبهائهم وفرسانهم وفقهائهم وقضاتهم وهو الذي قال صلى الله عليه وسلم بحقه ومن معه لكم هجرتان وهو الذي يقول له لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود وهو الذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض السرايا وهو الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن مع معاذ قاضيا ومفتيا وواليا فكيف يوليه صلى الله عليه وسلم هذه المناصب وهو يعلم أنه ساذج يمكن أن يخدع بسرعة ؟ وهذا اتهام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك فقد كان قائدا في الفتوحات الإسلامية واستلم إمرة البصرة والكوفةفي عهد عمر وفي عهد عثمان رضي الله عنهما وهو الذي أرسل له عمر رضي الله عنه رسالته المشهورة في القضاء التي تعتبر أهم مرجع مفصل حول أصول القضاء وهو الذي اعتزل الفتنة فلم يقاتل لا مع هؤلاء ولا مع أولئك أفيكون بع كل هذا ساذجا ؟ فإذا كان الذي اختاره ليمثله وهو علي بن أبي طالب (رضي الله عنه كما هو الصحيح ) فكيف يختاره رئيسا لذلك الوفد وهو يعلم أنه مغفل ساذج من السهولة أن يخدع ويضحك عليه وهو يعلم من هم الذين مع معاوية (رضي الله عنه) من الحنكة والسياسة والدهاء ؟؟؟!!!
فهذا اتهام لعلي (رضي الله عنه) بإساءة الاختيار بل اتهام للنبي صلى الله عليه وسلم ولعمر ولعثمان ولعلي (رضي الله عنهم جميعا)
وإذا كان الذي اختاره هم جماعة علي ( رضي الله عنه ) كما تصور الروايات المشهورة عن الشيعة فهل يختارون رجلا لا يعرفونه ؟ أم يختارون رجلا خبروه في الإمارة والقضاء والفتيا والتقى والورع ؟؟
ولا سيما أنه كان أميرا على الكوفة والبصرة أكثر من مرة فهو معروف لديهم بعلمه وحكمته ودينه ولذلك اختاروه لهذا السبب وأحسنوا الاختيار ولا سيما أنه قد حذرهم من القتال فلم يسمعوا قوله وبعد انتهاء القتال ثابوا على رشدهم وقالوا والله لقد نصحنا أبو موسى الأشعري فلم ننتصح فعادوا إلى رأيه وأحبوا أن يكون ممثلا عنهم
علما أن أهل الكوفة ما كان يعجبهم أمير وكانوا كثيري التشكي من أمرائهم ( وبغير حق ) حتى شكوا عمارا و سعد بن أبي وقاص وغيرهما ومع هذا لم نسمع أنهم اشتكوا من أبي موسى رضي الله عنه
فهل الذين اختاروه كانوا من السذاجة والبلاهة بمكان ؟؟!!
اللهم لا وألف لا
ولكن التحكيم بما أنه لم يؤد جميع أغراضه فنجد شيعة علي (رضي الله عنه ) يصفون عليا ومن معه بالغفلة والسذاجة وضعف الشخصية ظانين أنهم بذلك يمدحون عليا (رضي الله عنه ) وهذا فيه غاية الذم وليس المدح ولكنهم قوم لا عقول لهم تغلب عاطفتهم عقولهم فلا ينظرون إلى الأشياء بمنظارها الصحيح
4- هذه الرواية تصور أبا موسى بانه لا يسمع النصيحة حيث حذره من ابن عباس من ألاعيب وخدع عمرو فلم يكترث بذلك فهل كان أبو موسى رضي الله عنه كذلك ؟؟!!
الصحيح أنه لم يكن كذلك ومن كان قاضيا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم لا يكون كذلك أبدا وإذا كان أبو موسى لا يسمع من القوم الذين أرسل على رأسهم مفاوضا فلماذا اختير ليكون ممثلا لهم ؟؟؟!!!
أليس هذا طعنا بمن أمره عليهم سواء أكان عليا ( رضي الله عنه ) أم من كان معه ؟؟!!!
والمعروف عن ابي موسى خلال وجوده في الكوفة أن كان يستشير وخاصة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ويرجع إلى رأيه
فما الذي غيره هنا ولا سيما أن القضية هنا تتعلق بمصير أمة سفكت فيها دماء كثيرة بغير حق ؟؟
5- قلت قولهم بانه أسن من عمرو بن العاص فكذب قطعا لأننا إذا رجعنا لترجمته في تهذيب الكمال وتهذيب التهذيب لوجدنا أنهم قالوا توفي ما بين ((44-52 )) هجرية وسنه بضع وستين سنة فكيف يكون أكبر من عمرو الذي كان عمره أثناء التحكيم فوق الثمانين؟؟!!
فهذا يدل كذلك على غباء مختلقي هذه الرواية ليكشفهم الله لنا بأسط الأمور
6- وكذلك قول ابن عباس له سيقدمك وسيقول لك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام فيه نظر أليس عمرا كان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يدنيه ويقربه ويؤمره وذكر فيه من الفضائل الكثير ؟؟؟!!!
وكأن ابن عباس (رضي الله عنهما ) يعلم الغيب
7- وكذلك فيها قول أبي موسى رضي الله عنه لعمرو أرى أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى بين المسلمين وهنا يطهر لنا كذب هذه الرواية لأن معاوية رضي الله عنه لم يكن خليفة باتفاق المسلمين والخليفة الشرعي هو علي بن ابي طالب رضي الله عنه فكيف يقول أبي موسى أرى أن نخلع هذين الرجلين ؟؟ وكانهما خليفتان بآن واحد هذا على الشام وذاك على سائر الأقطار الأخرى وهذا كذب قطعا ولم يدعى معاوية خليفة إلا بعد استشهاد علي رضي الله عنه وتنازل الحسن له عن الخلافة لنه رآه أصلح لها من غيره
وإذا سقطت هذه المقولة سقطت جميع ما يترتب عليها من نتائج وبالتالي تنهار هذه الرواية الباطلة من الأساس وهذا هو الصحيح الذي يجب المصير إليه
8- وكذلك قول أبي موسى (وقد اجتمعنا على أمر واحد على خلع علي ومعاوية ويستقبل هذه الأمة هذا الأمر فيكون شورى بينهم يولون منهم من أحبوا عليهم )
فهذا القول باطل لأنه يقول اجتمعنا وهذا يشير إلى ممثلين كثيرين من الطرفين والذي حصل في هذه الرواية أن الذين اجمتعوا هما فقط عمرو وأبي موسى فأين بقية الوفد ؟ وما دورهم ؟ وهل استشيروا في هذا الأمر أم لا ؟؟!!
وإذا كان الربعمائة من كل جانب لم نسمع عنهم شيئا فلماذا أرسلوا إذا وهم لا قيمة لوجودهم ؟؟!!!
فهذا كذلك يكشف كذب هذه الرواية
9- وكذلك قول أبي موسى رضي الله عنه (وإني قد خلعت عليا ومعاوية فولوا أمركم من رأيتم ثم تنحى )
وغذا افترضنا صحة هذه المقولة الباطلة فهل يملك أبو موسى رضي الله عنه أن يقول للناس هذا القول ؟؟
ومن الذي فوضه به ؟؟
وما دور جميع من كان بدومة الجندل وهم من خيرة الصحابة لا نسمع لهم بهذه الرواية ذكرا فهم لم يأتوا إلا ليسمعوا ما يقول أبو موسى وعمرو (رضي الله عنهما ليس إلا ) وهذا انتقاص كبير لهم ولدورهم ؟؟!!
والرواية باطلة من الأساس حيث لم يكن معاوية رضي الله عنه خليفة للمسلمين فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا ». أخرجه مسلم
وفي الموسوعة الفقهية :
عَقْدُ الْبَيْعَةِ لِإِمَامَيْنِ : 20 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَوْنُ إمَامَيْنِ فِي الْعَالَمِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ , وَلَا يَجُوزُ إلَّا إمَامٌ وَاحِدٌ . وَاسْتَدَلُّوا بِخَبَرِ : { إذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخِرَ مِنْهُمَا } . وقوله تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا } وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : حَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ التَّفَرُّقَ وَالتَّنَازُعَ , وَإِذَا كَانَ إمَامَانِ فَقَدْ حَصَلَ التَّفَرُّقُ الْمُحَرَّمُ , فَوُجِدَ التَّنَازُعُ وَوَقَعَتْ الْمَعْصِيَةُ لِلَّهِ تَعَالَى . فَإِنْ عُقِدَتْ لِاثْنَيْنِ مَعًا بَطَلَتْ فِيهِمَا , أَوْ مُرَتَّبًا فَهِيَ لِلسَّابِقِ مِنْهُمَا . وَيُعَزَّرُ الثَّانِي وَمُبَايِعُوهُ . لِخَبَرِ : { إذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخِرَ مِنْهُمَا } . وَإِنْ جُهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , لِامْتِنَاعِ تَعَدُّدِ الْأَئِمَّةِ , وَعَدَمِ الْمُرَجِّحِ لِأَحَدِهِمَا . وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : بُطْلَانُ الْعَقْدِ , وَالثَّانِيَةُ : اسْتِعْمَالُ الْقُرْعَةِ . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّهُ إذَا تَبَاعَدَتْ الْبِلَادُ , وَتَعَذَّرَتْ الِاسْتِنَابَةُ , جَازَ تَعَدُّدُ الْأَئِمَّةِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ , وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ . .
وقال القرطبي :
إذا انعقدت الإمامة باتفاق أهل الحل والعقد أو بواحد على ما تقدم وجب على الناس كافة مبايعته على السمع والطاعة، وإقامة كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن تأبى عن البيعة لعذر عذر، ومن تأبى لغير عذر جبر وقهر، لئلا تفترق كلمة المسلمين. وإذا بويع لخليفتين فالخليفة الأول وقتل الآخر، واختلف في قتله هل هو محسوس أو معنى فيكون عزله قتله وموته. والأول أظهر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما). رواه أبو سعيد الخدري أخرجه مسلم. وفي حديث عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول: (ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه أن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوه عنق الآخر). رواه مسلم أيضا، ومن حديث عرفجة: (فاضربوه بالسيف كائنا من كان). وهذا أدل دليل على منع إقامة إمامين، ولأن ذلك يؤدي إلى النفاق والمخالفة والشقاق وحدوث الفتن وزوال النعم، لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
10- وقوله( وأقبل عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن هذا قد قال ما قد سمعتم وخلع صاحبه وإني أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية فإنه ولي ابن عفان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه فإنه ولي ابن عفان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه)
وهذا القول باطل قطعا لم يحدث بتاتا فكيف يسوغ لمراوغ و مخادع أن يبدا كلامه بحمد الله تعالى والثناء عليه وهو يعلم أن الله يراه ومطلع على سره ونجواه كيف يحمده وهو يخالف أمره ويعصيه ؟؟؟!!
فهذا من أبين الكذب بلا شك
وكذلك من هم هؤلاء الحاضرون الذين يسمعون هذا الكذب المفضوح ثم يسكتون عليه ؟؟؟!
أليسوا خيرة الصحابة ؟؟!!
فهل هم بهذه السذاجة حتى ينفق عليهم مثل هذا البهتان ؟؟!!
والله لا يصدق هذه الرواية بهذا الشكل المجانين من الناس يقوم أبو مسى الأشعري بخلع الرجلين أمام الناس ويقوم عمرو بعده فيقول للناس ( إن هذا قد قال ما قد سمعتم وخلع صاحبه وإني أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية )
أي أكذوبة هذه التي تقال في هذا المكان ويصدقها الناس لأن هذا لم يحدث قطعا وفيه تهمة لجميع الحاضرين وكيف يسكتون على مثل هذا الإفك المبين ؟؟؟!!!
ألم يؤمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ؟؟!!
علما أن المكان الذي جرى فيه التحكيم ليس فيه سيطرة لأهل الشام
فيكف يتجرأ عمرو بهذا القول الباطل ويسكتون عنه ؟؟
أو يصدقونه والكذبة واضحة جلية أمامهم ؟؟!!
فهذه المقولة لم تحدث في التاريخ كله ولن تحدث إلا في أدمغة السبئية والرافضة المفترين على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى خيرة أصحابه بما فيهم علي رضي الله عنه
كما أن معاوية لم يطالب بالخلافة في هذا الاجتماع أصلا فكيف يقول عمرا هذا القول ويسكت الناس عليه ؟؟؟!!!
11-وأما قول سعد رضي الله عنه له (فقال سعد بن أبي وقاص ويحك يا أبا موسى ما أضعفك عن عمرو ومكائده فقال أبو موسى فما أصنع جامعني على أمر ثم نزع عنه )
فهذا يدل على ضعف شخصية سعد رضي الله عنه فلماذا لم يقم بالرد على عمرو وهو يعلم أنه كاذب فيما يقول ؟؟!!
وهل كان سعد رضي الله عنه جبانا حتى لا يتجرأ بالرد عليه ؟؟!!!
فهذه تهمة باطلة لسعد رضي الله عنه وهو الذي عرف عنه الصدع بالحق فحتى معاوية رضي الله لما صار خليفة لم سعد يخافه أو يتملقه وهاك هذه الحادثة
فقد روى الترمذي حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَمَّرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ سَعْدًا فَقَالَ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا تُرَابٍ قَالَ أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلاَثًا قَالَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَلَنْ أَسُبَّهُ لأَنْ تَكُونَ لِى وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ لِعَلِىٍّ وَخَلَفَهُ فِى بَعْضِ مَغَازِيهِ فَقَالَ لَهُ عَلِىٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخَلِّفُنِى مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّى بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نُبُوَّةَ بَعْدِى ». وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ « لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ». قَالَ فَتَطَاوَلْنَا لَهَا فَقَالَ « ادْعُ لِى عَلِيًّا ». فَأَتَاهُ وَبِهِ رَمَدٌ فَبَصَقَ فِى عَيْنِهِ فَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ) الآيَةَ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ « اللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْلِى ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
فمن كان بهذه الصفة لا يسكت على باطل أبدا
ولكن مختلقوا هذه الرواية لا يهمهم اتهام جميه الصحابة بالجبن والضعف والسذاجة وذلك لأنهم في حقيقة الأمر حاقدون على هؤلاء الصحابة الكرام الذين لولاهم لما وصلنا هذا الدين ولما كنا مسلمين
فتبا للكذابين والحاقدين
والصحيح انه لم يحضر التحكيم أساسا وسيرد تفصيل ذلك عند ابن كثير بعد قليل
12- وأما قول ابن عباس رضي الله عنهما ( فقال ابن عباس لا ذنب لك يا أبا موسى الذنب لغيرك الذي قدمك في هذا المقام فقال أبو موسى رحمك الله غدرني فما أصنع ؟ )
فيه تهمة تهمة لمن جعل أبا موسى رئيسا للوفد المفاوض وهو إما علي رضي الله عنه (( وهو الصحيح)) وإما جماعة علي رضي الله عنه
فقد اتهمهم بالجهل فكيف يولون مغفلا وساذجا وجاهلا ؟؟!!!
وفيه اتهام لأبي موسى الشعري بالغباء
وكذلك ضعف شخصية ابي موسى حيث قال له (رحمك الله عدرني فما أصنع ؟)
وكل ذلك في الحقيقة لم يحدث أصلا
13- وأما قول أبي موسى لعمرو ( وقال أبو موسى لعمرو إنما مثلك كالكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث )
وقول عمرو له ( فقال عمرو إنما مثلك مثل الحمار يحمل أسفارا )
فمن يصدق بمثل هذا الهراء ؟؟
ومن يقول ذلك هل هو مسلم حقا ؟؟!!
والمعروف من سيرة الرجلين أنهما من أبعد الناس عن هذا الكلام
فهذين المثلين قيلا في كتاب الله تعالى عن الكفا والفجار فهل انعدم الدين عند الرجلين حتى يتهم كل منهما الآخر بهذه التهمة الخطيرة ؟؟؟!!
وهذا طعن بأبي موسى وعمرو معا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيْسَ بِاللَّعَّانِ وَلَا الطَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ ) أخرجه أحمد
وكيف يسكت الحاضرون وهم من خيرة الناس على هذا الضلال المبين ؟؟!!!
فهذا اتهام لهم جميعا بالسكوت على الباطل وإذا كانوا كذلك فلم جاءوا إلى دومة الجندل ؟؟!!
14- وأما قول ابن عمر رضي الله عنهما ( فقال ابن عمر إلى ما صيرت هذه الأمة إلى رجل لا يبالي ما صنع وآخر ضعيف )
فهو اتهام للرجلين فالأول ليس عنده دين ولا خلق ومن ثم لا يبالي بما يصنع في سبيل الوصول إلى أهدافه
والثاني ضعيف الشخصية والرأي
ولكن هل كان الرجلان كذلك ؟؟!!
وهل قال ابن عمر رضي الله عهما هذا القول ؟؟
والصحيح أنه لم يقله بل هو مفترى عليه والدليل على ذلك لماذا لم يقم ابن عمر عمر بالرد على عمرو بن العاص ؟!!
فهل كان جبانا ؟؟ وما الذي منعه من ذلك ؟؟
والمعروف من سيرته أنه كان لا يخاف في الله لومة لائم وقد كان يرد على الخلفاء والأمراء دون استثناء وكان نعم الناصح لهم والمنكر عليهم ما أخطئوا فيه
فهاهم دعاة ابن الزبير ( رضي الله عنهما ) قد أشاعوا الأكاذيب والأراجيف بعد مقتل الحسين ( رضي الله عنه ) على يزيد بن معاوية وطالبوا أهل المدينة بنقض بيعته وصدقهم كثير من الناس وغلبت دعايتهم فماذا كان موقف ابن عمر رضي الله عنهما من ذلك ؟؟!!
فهل سكت ؟؟!!
أم أجابهم لنقض بيعة يزيد ؟؟!!
كل ذلك لم يكن بل وقف في وجههم وحذرهم وأنكر عليهم فعلتهم الشنعاء دون خوف ولا وجل إلا من الله تعالى ففي مسلم حَدَّثَنَا عَنْ نَافِعٍ قَالَ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ اطْرَحُوا لأَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً فَقَالَ إِنِّى لَمْ آتِكَ لأَجْلِسَ أَتَيْتُكَ لأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُهُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِىَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِى عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ».
وفي البخاري حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ فَقَالَ إِنِّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ». وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّى لاَ أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ الْقِتَالُ وَإِنِّى لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ وَلاَ بَايَعَ فِى هَذَا الأَمْرِ إِلاَّ كَانَتِ الْفَيْصَلَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ.
فهذه المقولة على عبد الله كذب بلا شك
15- وأما قول عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما ( وقال عبدالرحمن بن أبي بكر لو مات الأشعري من قبل هذا كان خيرا له )
فلماذا لم يرد على عمرو مقولته وهو الذي وصف في ترجمته بأنه أشجع رجال قريش فأين ذهبت شجاعته ؟؟!!!
والصواب أنه لم يتفوه بحرف من ذلك
كما أن فيه ذما لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه الذي أمره واستقضاه من هو خير من عبد الرحمن أفكانوا لا يعرفونه ؟؟ وإلا فكيف يولون ويستقضون من هو بهذه الشاكلة ؟؟
وقد كان من القلائل الذين لم يعزلهم عمر رضي الله عنه أفكان غافلا عنه ؟؟!!
17- وفي العواصم من القواصم حول التحكيم كلام نفيس وهذا هو :
قاصمــة التحكيـــم
وقد تحكم الناس في التحكيم فقالوا فيه مالا يرضاه الله . وإذا لحظتموه بعين المروءة – دون الديانة – رأيتم أنها سخافة حمل على سطرها في الكتب في الأكثر عدم الدين ، وفي الأقل جهل متين .
والذي يصح من ذلك ما روى الأئمة كخليفة بن خياط ( 1 ) الدارقطني ( 2 ) : أنه لما خرج الطائفة العراقية مائة ألف والشامية في سبعين ألفاً ونزلوا على الفرات بصفين ، اقتتلوا في أول يوم – وهو الثلاثاء – على الماء فغلب أهل العراق عليه ( 3 ) .
ثم التقوا يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر سنة [ سبع وثلاثين ] ويوم الخميس ويوم الجمعة وليلة السبت ( 4 ) ، ورفعت المصاحف من أهل الشام ، ودعوا إلى الصلح ، وتفرقوا على ان تجعل كل طائفة أمرها إلى رجل حتى يكون الرجلان يحكمان بين الدعويين بالحق ، فكان من جهة على أبو موسى ( 5 ) ، ومن جهة معاوية عمرو بن العاص .
وكان أبو موسى رجلاً ثقفاً فقيهاً عالماً حسبما بيناه في كتاب ( سراج المريدين ) ، وأرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن مع معاذ ، وقدمه عمرو واثنى عليه بالفهم ( 6 ) . وزعمت الطائفة التاريخية الركيكة أنه كان أبلة ضعيف الرأي مخدوعاً في القول ، وان ابن العاص كان ذا دهاءٍ وأرب حتى ضربت الأمثال بدهائه تأكيداً لما أرادت من الفساد ، اتبع في ذلك بعض الجهال بعضاً وصنفوا فيه حكايات . وغيره من الصحابة كان أحدق منه وأدهى ، وإنما بنوا على ان عمراً لما غدر أبا موسى في قصة التحكيم صار له الذكر في الدهاء والمكر.
وقالوا : إنما لما أجتمع بأذرح من دومة الجندل ( 7 ) .
---------------------------
( 1 ) هو الإمام الحافظ أبو عمرو خليفة بن خياط العصفري البصري ، أحد أوعية العلم ، ومن شيوخ الإمام البخاري . قال عنه ابن عدى : هو صدق مستقيم الحديث من متيقظي رواة السنة . توفى سنة 240 .
( 2 ) هو الإمام الحافظ أبو الحسن على بن عمر الدارقطني ( 306 – 385 ) كان مع جلالته في الحديث من أئمة فقهاء الشافعية ، وله تقدم في الأدب ورواية الشعر . وجاء من بغداد إلى مصر ليساعد ابن خنزابة وزير كافور على تأليف مسنده فبالغ الوزير في إجلاله . قال الحافظ عبد الغنى بن سعيد (( أحسن الناس كلاماً على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة . علي بن المديني في وقته ، وموسى بن هارون القيسي في وقته . والدارقطني في وقته )) .
( 3 ) لم يكن القتال على الماء جدياً ، وقد قال عمرو بن العاص يومئذ (( ليس النصف أن نكون ريانين وهم عطاش )) . والذين تظاهروا في الجيش الشامي بمنع العراقيين عن الماء أن يذكروهم بمنعهم الماء عن امير المؤمنين عثمان في عاصمة خلافته وهو الذي أشترى بئر رومة من ماله ليستسقى منه إخوانه المسلمون وبعد إشتراكهم في الماء تناوشوا شهر ذي الحجة من سنة 36 ثم تهادنوا شهر المحرم من سنة 37 ، ووقعت وقائع شهر صفر التى سيشير إليها المؤلف .
( 4 ) وكانت تسمى (( ليلة الهرير )) اقتتل الناس فيها حتى الصباح .
( 5 ) وكان آخر العهد بأبي موسى عندما كان والياً على الكوفة ، وجاء دعاة علي يحرضون الكوفيين على لبس السلاح والالتحاق بجيش علي استعداداً لما يريدونه من قتال مع أصحاب الجمل في البصرة ، ثم مع أنصار معاوية في الشام . فكان أبو موسى يشفق على دماء المسلمين ان تسفك بتحريض الغلاة ، ويذكر أمة محمد صلى الله عليه وسلم بقول نبيهم في الفتنة (( القاعد فيها خير من القائم )) فتركه الأشتر يحدث الناس في المسجد بالحديث النبوي ، واسرع إلى دار الإمارة فاحتلها . فلما عاد غليها أبو موسى منعه الأشتر من الدخول وقال له : اعتزل إمارتنا . فاعتزلهم أبو موسى واختار الإقامة في قرية يقال لها عرض بعيداً عن الفتن وسفك الدماء . فلما شبع الناس من سفك الدماء واقتنعوا بأن أبا موسى كان ناصحاً في نهيهم عن القتال طلبوا من على أن يكون أبو موسى هو ممثل العراق في امر التحكيم ، لأن الحالة التى كان يدعو إليها هي التى فيها الصلاح فأرسلوا إلى أبي موسى وجاءوا به من عزلته .
( 6 ) واختصه بكتابه الشهير في القضاء وآدابه وقواعده .
( 7 ) أذرح : قرية من أعمال الشراة تقع في منطقة بين اراضي شرقي الأردن والمملكة السعودية في الأطراف الجنوبية من بادية الشام .
________________
وتفاوضا ، اتفقا على أن يخلعا الرجلين ( 1 ) . فقال عمرو لأبي موسى : أسبق بالقول فتقدم : إنى نظرت فخلعت علياً عن الأمر ، وينظر المسلمون لأنفسهم ، كما خلعت سيفى هذا من عنقي – أو من عاتقي – واخرجه من عنقه فوضعه في الأرض . وقام عمرو فوضع سيفه في الأرض وقال : إني نظرت فاثبت معاوية في الأمر ( 2 ) كما اثبت سيفي هذا في عاتقي . وتقلده . فأنكر أبو موسى . فقال عمرو : كذلك اتفقنا . وتفرق الجمع على ذلك من الاختلاف .
عاصمـــة
قال القاضي أبو بكر ( t ) : هذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط . وإنما هو شئ أخبر عنه المبتدعة ، ووضعته التاريخية للملوك ، فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع ( 3 ) .
--------------------------------
( 1 ) من الحقائق ما إذا أسئ التعبير عنه شوائب المغالطة يوهم غير الحقيقة فينشا عن ذلك الاختلاف في الحكم عليه . ومن ذلك حادثة التحكيم وقول المغالطين إن أبا موسى وعمراً اتفقا على خلع الرجلين ، فخلعهما أبو موسى ، واكتفى عمرو بخلع علي دون معاوية . وأصل المغالطة من تجاهل أن معاوية لم يكن خليفة ، ولا هو ادعى الخلافة يؤمئذ حتى يحتاج عمرو إلى خلعها عنه . بل إن ابا موسى وعمراً اتفقا على ان يعهدا بامر الخلافة على المسلمين إلى الموجودين على قيد الحياة من اعيان الصحابة الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم . واتفاق الحكمين على ذلك لا يتناول على الذين اشتركوا في قتل عثمان . فلما وقع التحكيم على إمامة المسلمين ، واتفق الحكمان على ترك النظر فيها إلى كبار الصحابة وأعيانهم تناول التحكيم شيئاً واحداً هو الإمامة . اما التصرف العملى في غرادة البلاد التى كانت تحت يد كل من الرجلين المتحاربين فبقى كما كان : علي متصرف في البلاد التى تحت حكمه ، ومعاوية متصرف في البلاد التى تحت حكمه ، فالتحكيم لم يقع فيه خداع ولا مكر ، ولم تتخلله بلاهة ولا غفلة . وكان يكون محل للمكر أو الغفلة لو أن عمراً أعلن في نتيجة االتحكيم أنه ولي معاوية إمارة المؤمنين وخلافة المسلمين ، وهذا ما لم يعلنه عمرو ، ولا ادعاه معاوية ، ولم يقل به احد في الثلاثة عشر قرناً الماضية . وخلافة معاوية لم تبدأ إلا بعد الصلح مع الحسن بن علي ، وقد تمت بمبايعة الحسن لمعاوية ، ومن ذلك اليوم فقط سمى معاوية أمير المؤمنين . فعمرو لم يغالط أبا موسى ولم يخدعه ، لأنه لم يعط معاوية شيئاً جديداً ، ولم يقرر في التحكيم غير الذي قرره أبو موسى . ولم يخرج عما اتفقا عليه معاً ، فبقيت العراق والحجاز وما يتبعها تحت يد من كانت تحت يده من قبل ، وبقيت الشام وما يتبعها تحت يد من كانت تحت يده من قبل ، وتعلقت الإمامة بما سيكون من اتفاق أعيان الصحابة عليها ، وأى ذنب لعمرو في اى شئ مما وقع ؟ إن البلاهة لم تكن من ابي موسى ، ولكن ممن يريد أن يفهم الوقائع على غير ما وقعت عليه . فليفهمها كل من شاء كما يشاء . اما هي فظاهرة واضحة لكل من يراها كما هي .
( 2 ) أى أمر ؟ إن كان الاستمرار في إدارة البلاد التى تحت يده ، فإن هذا الأمر ماض على معاوية وعلي معاً ، فكل منهما باق في الحكم على ما تحت يده . وإن كان المراد بالمر أمر الإمامة العامة وإمارة المؤمنين فإن معاوية لم يكن إماماً – أي خليفة – حتى يثبته عمرو كما كان . وقد أوضحنا هذه الحقيقة في الفقرة السابقة . وهذه هي نقطة المغالطة التى هزأ بها مؤرخو الإفك المفترى فسخروا بجميع قرائهم وأوهموهم بان هناك خليفتين أو أمير للمؤمنين ، وأن الاتفاق بين الحكمين كان على خلعهما معاً ، وأن أبا موسى خلع الخليفتين تنفيذاً للاتفاق ، وأن عمراً خلع أحدهما وابقى الآخر خليفة خلافاً للاتفاق ، وهذا كله كذب وإفك وبهتان . والذي فعله عمرو وهو نفس الذي فعله أبو موسى لا يفترق عنه قط في نقير ولا قمطير وبقى أمر الإمامة والخلافة أو غمارة المؤمنين معلقاً على نظر أعيان الصحابة ليروا فيه رأيهم متى شاءوا وكيف شاءوا . وإذا كانت هذه الخطوة الثانية لم تتم فما في ذلك تقصير من ابي موسى ولا من عمرو ، فهما قد قاما بمهمتهما بحسب ما أدى إليه اجتهادهما واقتناعهما ولو لم تكلفهما الطائفتان معاً بأداء هذه المهمة لما تعرضا لها ، ولا أبديا راياً فيها . ولو كان موقف أبي موسى في هذا الحادث التاريخي العظيم موقف بلاهة وفشل لكان ذلك سبة عليه في التاريخ . وإن الأجيال التى بعده فهمت موقفه على أنه من مفاخرة التى كتب الله له بها النجاح والسداد ، حتى قال ذو الرمة الشاعر يخاطب حفيدة بلاب بن أبي بن أبي موسى :
أبـــوك تلافـى الديـن والناس بعــدمـا تشــاءوا وبيــت الديــن منقطــع الكســر
فشــد إصــار الديــن أيــــام أذرح ورد حروبــاً قـد لقحــن إلى عقـــــــر
( 3 ) إن التاريخ الإسلامي لم يبدأ تدوينه إلا بعد زوال بنى امية وقيام دول لا يسر رجالها التحدث بمفاخر ذلك الماضي ومحاسن أهله . فتولى تدوين تاريخ الإسلام ثلاث طوائف : طائفة كانت تنشد العيش والجدة من التقرب إلى مبغضي بني أمية بما تكتبه وتؤلفه . وطائفة ظنت أن التدوين لا يتم ، ولا يكون التقرب إلى الله ، إلا بتشويه سمعة ابي بكر وعمر وعثمان وبنى عبد شمس جميعاً . وطائفة ثالثة من أهل الإنصاف والدين – كالطبري وابن عساكر وابن الأثير وابن كثير – رأت أن من الإنصاف أن تجمع اخبار الإخباريين من كل المذاهب والمشارب – كلوط بن يحيى الشيعي المحترق ، وسيف ابن عمر العراقي المعتدل – ولعل بعضهم اضطر إلى ذلك إرضاء لجهات كان يشعر بقوتها ومكانتها . وقد أثبت أكثر من هؤلاء أسماء رواة الأخبار التى أوردوها ليكون
-----------------------------------
وإنما الذي روى الأئمة الثقات الأثبات أنهما لما أجتمعا للنظر في الأمر – في عصبة كريمة من الناس منهم ابن عمر ونحوه – عزل عمرو معاوية ( 1 ) .
ذكر الدارقطني بسنده إلى حصين بن المنذر ( 2 ) : لما عزل عمرو معاوية جاء [ أي حضين بن المنذر ] فضرب فسطاطه قريباً من فسطاط معاوية ، فبلغ نباه معاوية ، فأرسل إليه فقال : إنه بلغنى عن هذا [ أي عن عمرو ] كذا وكذا ( 3 ) ، فأذهب فانظر ما هذا الذي بلغنى عنه ، فأتيته فقلت : أخبرني عن الأمر الذي وليت أنت وابو موسى كيف صنعتما فيه ؟ قال : قد قال الناس في ذلك ما قالوا ، والله ما كان الأمر على ما قالوا ( 4 ) ، ولكن قلت لأبي موسى : ما ترى في هذا الأمر ؟ قال أرى أنه في النفر الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ . قلت : فأين تجعلني أنا ومعاوية ؟ فقال : إن يستعن بكما ففيكما معونة ، وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما قال : فكانت هي التى قتل معاوية منها نفسه : فأتيته فأخبرته [ أي فأتى حضين معاوية فأخبره ] أن الذي بلغه عنه كما بلغه . فأرسل إلى ابي الأعور الذكواني ( 5 ) فبعثه في خيلة ، فخرج يركض فرسه ويقول : أين عدو الله أين هذا الفاسق ؟ .
قال أبو يوسف ( 6 ) : اظنه قال (( إنما يريد حوباء نفسه )) فخرج [ عمرو ] إلى فرس فسطاط فجال في ظهره عرياناً ، فخرج العلبة ، يا معاوية إن الضجور قد تحتلب العلبة ( 7 ) )) فقال معاوية (( أجل ، وتربذ الحالب فتدق أنفه ، وتكفأ إناءه ( 8 ) )) .
------------------------------
== الباحث على بصيرة من كل خبر بالبحث على حال راويه . وقد وصلت إلينا هذه التركة لا على أنها هي تاريخنا ، بل على إنها مادة غزيرة للدرس والبحث يستخرج منها تاريخنا ، وهذا ممكن وميسور إذا تولاه من يلاحظ مواطن القوة والضعف في هذه المراجع ، وله من الألمعية ما يستخلص به حقيقة ما وقع ويجردها عن الذي لم يقع ، مكتفياً بأصول الأخبار الصحيحة مجردة عن الزيادات الطارئة عليها . وغن الرجوع إلى كتب السنة ، وملاحظان أئمة الأمة ، مما يسهل هذه المهمة . وقد آن لنا ان نقوم بهذا الواجب الذي أبطأنا فيه كل الإبطاء ، وأول من استيقظ في عصرنا للدسائس المدسوسة على تاريخ بنى امية العلامة الهندي الكبير الشيخ شبلي النعمانى في انتقاده لكتب جرجى زيدان ، ثم أخذ أهل الألمعية من المنصفين في دراسة الحقائق ، فبدأت تظهر لهم وللناس منيرة مشرقة ، ولا يبعد – إذا أستمر هذا الجهاد في سبيل الحق – أن يتغير فهم المسلمين لتاريخهم ، ويدركوا أسرارها ما وقع في ماضيهم من معجزات .
( 1 ) أب بتقريره مع أبي موسى أن إمامة المسلمين يترك النظر فيها إلى أعيان الصحابة .
( 2 ) قال الدارقطني : حدثنا إبراهيم بن همام ، حدثنا أبو يوسف الفلوسي وهو يعقوب بن عبد الرحمن بن جرير ، حدثنا الأسود بن شيبان ، عن عبد الله بن مضارب عن حضين بن المنذر ( وحضين من خواص علي الذين حاربوا معه ) .
( 3 ) أى عزله علياً ومعاوية ، وتفويضه الأمر إلى كبار الصحابة .
( 4 ) أى أنهما لم يعزلا ، ولم يوليا ، ولكن تركا الأمر لأعيان الصحابة .
( 5 ) هو أبو الأعور السلمي ( وذكوان قبيلة من سليم ) واسمه عمرو بن سفيان كان من كبار قواد معاوية . وفي حرب صفين طلب الأشتر أن يبارزه فترفع أبو الأعور السلمي عن ذلك لأنه لم ير الأشتر من أنداده . أنظر المنتقى من منهاج الاعتدال ص 264 .
( 6 ) أى الفلوسي راوى هذا الخبر عن الأسود بن شيبان عن عبد الله بن مضارب عن حضين .
( 7 ) الضجور : الناقة التى ترغو وتعربد عن الحلب . و (( قد تحلب الضجور العلبة )) مثل ، ومعناه : إن الناقة التى ترغو قد تحلب ما يملأ العلبة ، وهي قدح ضخم يحلب فيه اللبن . يضربونه للسيئ الخلق قد يصاب منه الرفق واللين ، وللبخيل قد يستخر منه المال .
( 8 ) ربذت يده بالقداح أى خفت : والربذ خفة القوائم في المشي ، وخفة الصابع في العمل . وفلان ذو ربذات : أي ذو فلتات وكثير السقط في كلامه .
--------------------------------------------------------------
قال الدارقطني – وذكر سند عدلاً ( 1 ) : ربعى عن أبي موسى أن عمرو بن العاص قال : (( والله لئن كان أبو بكر وعمر تركا هذا المال وهو يحل لهما منه شئ لقد غبنا ونقص رأيهما . وآيم الله ما كانا مبغونين ولا ناقصى الرأى . ولئن كانا أمرأين يحرم عليهما هذا المال الذي أصبناه بعدهما لقد هلكنا . وايم الله ما جاء الوهم إلا من قبلنا ( 2 ) )) .
فهذا كان بدء الحديث ومنتهاه . فأعرضوا عن الغاوين ، وازجروا العاوين وعرجوا عن سبيل الناكثين ، إلى سنن المهتدين . وأمسكوا الألسنة عن السابقين إلى الدين . وإياكم أن تكونوا يوم القيامة من الهالكين بخصومه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد هلك من كل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خصمه . ودعوا ما مضى فقد قضى الله ما قضى . وخذوا لأنفسكم الجد فيما يلزمكم اعتقاداً وعملاً . ولا تسترسلوا بالسنتكم فيما لا يعينكم مع كل ناعق أتخذ الدين هملاً ، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً . ورحم الله الربيع بن خثيم ( 3 ) فإنه لما قيل له : قتل الحسين ! قال : أقتلوه ؟ قالوا : نعم . فقال } اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة ، انت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون { ( الزمر : 46 ) . ولم يزد على هذا ابداً . فهذا العقل والدين ، والكف عن أحوال المسلمين ، والتسليم لرب العالمين .
--------------------------------
( 1 ) قال حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم ودعلج بن احمد قالا : حدثنا محمد بن أحمد بن النضر ، حدثنا معاوية بن عمرو ، حدثنا زائدة ، عن عبد الله بن عمر عن ربعي …. ألخ وربعى هو ابن حراش العبسى أبو مريم الكوفي .
( 2 ) أورد المؤلف هذا الخبر للدلالة على ورع عمرو ومحاسبته لنفسه السلف .
( 3 ) هم من تلاميذ عبد الله بن مسعود وأبي أيوب الأنصاري وعمرو بن ميمون وأخذ عنه الإمام الشعبي وإبراهيم النخعي وأبو بردة . قال له ابن مسعود لو رآك النبي صلى الله عليه وسلم لأحبك . توفى سنة 64 .
الجوفي 2007
10-09-2008, 03:11 PM
شكرا لك مصبح باني
وشكرا لك اخوي ابو تذكار وبصراحه يجب التفريق بين المصادر وايضا التوثيق مطلوب خاصة في النقاشات التاريخيه
السنافي
07-22-2009, 01:17 AM
حياك الله أخي الكريم مصبح باني .
أشكرك أخي الكريم على طرحك لقصة التحكيم مصاغة بأسلوب مبسط خالي من التعقيد ومن أحداث دقيقة صاحبت تلك الحقبة التاريخية التي حدثت قبل معركة صفين ورفع المسلمين للمصاحف على أسنة الرماح رغبة في تحكيم كتاب الله .
ولن أدخل في مناقشات حول تلك الحادثة التي فجعت المسلمين وجعلتهم في كرب عظيم انذالك , وكل كتب التاريخ المنصفه أوضحت وسلطت الضوء على تلك الحادثة بحيادية ونقل موثوق بداية من الكتب المدرسية وانتهائاَ بأكبر المراجع التاريخية .
كذلك لن أناقشك بتقسيمك لأنواع الباحثين في التاريخ والمؤرخين له .فهو تقسيم منطقي ومعروف .
لكن ما أود أن أسأل عنه الله يحفظك هو ما هي علاقة قصة التحكيم التي حدثت بين علي كرم الله وجهة ومعاوية بقسم مبدأ التحكيم الموجود في منتدانا الغالي الذي يعنى بالنقاشات والمواضيع الجادة وليس بالمواضيع التاريخية الموثقة توثيقاً دقيقاً , هل للتشابه في الأسماء بين الحادثة التاريخية وأسم القسم دور في ذلك أم ماذا ؟ يعلم الله بأني لا أريد أن أقلل من موضوعك ويشهد علي الله بذلك , ولكن شدني عنوان الموضوع وكنت أعتقد بأن العنوان يخفي من وراءة موضوعاً يشرح لمعنى قسم مبدأ التحكيم وكيفية المشاركة فيه وما المواضيع المناسبة التي تطرح به , لكني تفاجأت بأن الموضوع عبارة عن سرد تاريخي لقصة مشهورة وموثقة بكتب التاريخ ؟
الله يحفظك أخي الكريم ويرفع قدرك ( أخوك د . السنافي )