ابو تركي
12-26-2009, 11:18 PM
وعظتني نفسي فعلمتني
وعظتني نفسي فعلمتني حب ما يمقته الناس و مصافاة ما يضاغنونه
و أبانت لي أن الحب ليس ميزة في المحب بل في المحبوب.
و قبل أن تعضني نفسي كان الحب بي خيطاً دقيقاً مشدوداً بين وتدين متقاربين، أما الآن فقد تحول إلى هالة أولها آخرها و
آخرها أولها تحيط بكل كائن و تتوسع ببطء لتضم كل ما سيكون.
وعظتني نفسي فعلمتني أن أرى الجمال المحجوب بالشكل و اللون
و البشرة، و أن أحدق متبصراً بما يعده الناس شناعة حتى يبدو لي حسناً. و قبل أن تعظني نفسي كنت أرى الجمال شعلات
مرتعشة بين أعمدة من الدخان و اضمحل فلم أعد أرى سوى ما يشتعل.
وعظتني نفسي فعلمتني الإصغاء إلى الأصوات التي لا تولدها الأسنة و لا تضج بها الحناجر.
و قبل أن تعظني نفسي كنت كليل المسامع مريضها،
لا أعي سوى الجلبة و الصياح، أما الآن فقد صرت أتوجس بالسكينة فأسمع أجواقها منشدة أغاني الدهور، مرتلة تسابيح
الفضاء، معلنة أسرار الغيب.
وعظتني نفسي فعلمتني أن أشرب مما لا يعصر و لا يسكب بكؤوس لا ترفع بالأيادي و لا تلمس بالشفاه.
و قبل أن تعظني نفسي كان عطشي شرارة ضئيلة في رابية من رماد أخمدها بعبة من الغدير أو برشفة من جرن
المعصرة. أما الآن فقد صار شوقي كأسي، و غلتي شرابي، ووحدتي نشوتي، و أنا لا ولن أرتوي.
و لكن في هذه الحرقة التي لا تنطفئ مسرة لا تزول.
وعظتني نفسي فعلمتني لمس ما لم يتجسد ولم يتبلور، و أفهمتني أن المحسوس نصف المعقول.
وأن ما نقبض عله بعض ما نرغب فيه. و قبل أن تعظني نفسي كنت أكتفي بالحار إن كنت بارداً. والبارد إن كنت حاراً. و
بأحدهما إن كنت فاتراً. أما الآن فقد انتثرت ملامسي المنكمشة و انقلبت ضباباً دقيقاً يخترق كل ما ظهر من الوجود ليمتزج بما
خفي منه.
وعظتني نفسي فعلمتني استنشاق ما لا تبثه الرياحين ولا تنشره المجامر. و قبل أن تعظني نفسي كنت إن اشتهيت عطراً طلبته
من البساتين أو من القوارير أو المباخر. أما الآن فقد صرت أشم ما لا يحترق و لا يهرق. و أملأ صدري من أنفاس زكية لم
تمر بجنة من جنان هذا العالم و لم تحملها نسمات من نسمات الفضاء.
وعظتني نفسي فعلمتني أن أقول (لبيك) عندما يناديني المجهول و الخطر. و قبل أن تعظني نفسي كنت لا أنهض إلا لصوت
مناد عرفته.
و لا أسير إلا على سبل خبرتها فأستهونتها. أما الآن فقد أصبح المعلوم مطية أركبها نحو المجهول، و السهل سلماً أتسلق
درجاته لأبلغ الخطر.
وعظتني نفسي فعلمتني ألا أقيس الزمن بقولي: كان بالأمس و سيكون غداً .
و قبل أن تعظني نفسي كنت أتوهم الماضي عهداً لا يرد و الأتي عصراً لم أصل إليه. أما الآن فقد عرفت أن في الهنيهة ا
الحاضرة كل الزمن بكل ما في الزمن مما يرجى و ينجز و يتحقق.
وعظتني نفسي فعلمتني ألا أحد المكان بقولي: هنا و هناك و هنالك.
و قبل أن تعظني نفسي كنت إذا ما صرت في موضع في الأرض ظننتني بعيداً عن كل موضع آخر. أما الآن فقد علمت أن
مكاناً أحل فيه هو كل مكان. و أن فسحة أشغلها هي كل المسافات.
وعظتني نفسي فعلمتني أن أسهر و سكان الحي راقدون.
و أن أنام وهن منتبهون. و قبل أن تعظني نفسي كنت لا أرى أحلامهم في هجعتي و لا يرصدون أحلام في غفلتهم. أما الآن
فلا أسبح مرفرفاً في منامي إلا وهم يرقبونني و لا يطيرون في أحلامهم إلا وفرحت بانعتاقهم.
وعظتني نفسي فعلمتني أن لا أطرب لمديح و لا أجزع بمذمة. و قبل أن تعظني نفسي كنت أظل مرتاباً في قيمة أعمالي و
قدرها حتى تبعث إليها الأيام بمن يقرظها أو يهجوها. أما الآن فقد عرفت أن الأشجار تزهر في الربيع و تثمر في الصيف و لا
مطمع لها بالثناء. و تنثر أوراقها في الخريف و تتعرى في الشتاء و لا تخشى الملامة.
وعظتني نفسي فعلمتني و أثبتت لي أنني لست بأرفع من الصعاليك، و لا أدنى من الجبابرة. و قبل أن تعظني نفسي كنت
أحسب الناس رجلين: رجلاً ضعيفاً أرق له أو أزدري به، و رجلاً فرداً مما كون البشر منه جماعة. فعناصري عناصرهم. و
طويتي طويتهم. و منازعي منازعهم. و محجتي محجتهم. فإن أذنبوا فأنا المذنب. و إن أحسنوا عملاً فاخرت بعملهم. و إن
نهضوا نهضت و إياهم. و إن تقاعدوا تقاعدت معهم.
وعظتني نفسي فعلمتني أن السراج الذي أحمله ليس لي، و الأغنية التي أنشدها لم تتكون في أحشائي. فأنا و إن سرت بالنور
لست بالنور، و أنا و إن كنت عوداً مشدود الأوتار فلست بالعواد
وعظتني نفسي يا أخي و علمتني. و لقد وعظتك نفسك و علمتك.
فأنت و أنا متشابهان متضارعان.
انا انت وانت انا
و ما الفرق بيننا سوى أنني أتكلم عما بي و في كلامي شيء من اللجاجة.
و أنت تكتم ما بك و في تكتمك شكل من الفضيلة
تحياتي لكـــــــم
وعظتني نفسي فعلمتني حب ما يمقته الناس و مصافاة ما يضاغنونه
و أبانت لي أن الحب ليس ميزة في المحب بل في المحبوب.
و قبل أن تعضني نفسي كان الحب بي خيطاً دقيقاً مشدوداً بين وتدين متقاربين، أما الآن فقد تحول إلى هالة أولها آخرها و
آخرها أولها تحيط بكل كائن و تتوسع ببطء لتضم كل ما سيكون.
وعظتني نفسي فعلمتني أن أرى الجمال المحجوب بالشكل و اللون
و البشرة، و أن أحدق متبصراً بما يعده الناس شناعة حتى يبدو لي حسناً. و قبل أن تعظني نفسي كنت أرى الجمال شعلات
مرتعشة بين أعمدة من الدخان و اضمحل فلم أعد أرى سوى ما يشتعل.
وعظتني نفسي فعلمتني الإصغاء إلى الأصوات التي لا تولدها الأسنة و لا تضج بها الحناجر.
و قبل أن تعظني نفسي كنت كليل المسامع مريضها،
لا أعي سوى الجلبة و الصياح، أما الآن فقد صرت أتوجس بالسكينة فأسمع أجواقها منشدة أغاني الدهور، مرتلة تسابيح
الفضاء، معلنة أسرار الغيب.
وعظتني نفسي فعلمتني أن أشرب مما لا يعصر و لا يسكب بكؤوس لا ترفع بالأيادي و لا تلمس بالشفاه.
و قبل أن تعظني نفسي كان عطشي شرارة ضئيلة في رابية من رماد أخمدها بعبة من الغدير أو برشفة من جرن
المعصرة. أما الآن فقد صار شوقي كأسي، و غلتي شرابي، ووحدتي نشوتي، و أنا لا ولن أرتوي.
و لكن في هذه الحرقة التي لا تنطفئ مسرة لا تزول.
وعظتني نفسي فعلمتني لمس ما لم يتجسد ولم يتبلور، و أفهمتني أن المحسوس نصف المعقول.
وأن ما نقبض عله بعض ما نرغب فيه. و قبل أن تعظني نفسي كنت أكتفي بالحار إن كنت بارداً. والبارد إن كنت حاراً. و
بأحدهما إن كنت فاتراً. أما الآن فقد انتثرت ملامسي المنكمشة و انقلبت ضباباً دقيقاً يخترق كل ما ظهر من الوجود ليمتزج بما
خفي منه.
وعظتني نفسي فعلمتني استنشاق ما لا تبثه الرياحين ولا تنشره المجامر. و قبل أن تعظني نفسي كنت إن اشتهيت عطراً طلبته
من البساتين أو من القوارير أو المباخر. أما الآن فقد صرت أشم ما لا يحترق و لا يهرق. و أملأ صدري من أنفاس زكية لم
تمر بجنة من جنان هذا العالم و لم تحملها نسمات من نسمات الفضاء.
وعظتني نفسي فعلمتني أن أقول (لبيك) عندما يناديني المجهول و الخطر. و قبل أن تعظني نفسي كنت لا أنهض إلا لصوت
مناد عرفته.
و لا أسير إلا على سبل خبرتها فأستهونتها. أما الآن فقد أصبح المعلوم مطية أركبها نحو المجهول، و السهل سلماً أتسلق
درجاته لأبلغ الخطر.
وعظتني نفسي فعلمتني ألا أقيس الزمن بقولي: كان بالأمس و سيكون غداً .
و قبل أن تعظني نفسي كنت أتوهم الماضي عهداً لا يرد و الأتي عصراً لم أصل إليه. أما الآن فقد عرفت أن في الهنيهة ا
الحاضرة كل الزمن بكل ما في الزمن مما يرجى و ينجز و يتحقق.
وعظتني نفسي فعلمتني ألا أحد المكان بقولي: هنا و هناك و هنالك.
و قبل أن تعظني نفسي كنت إذا ما صرت في موضع في الأرض ظننتني بعيداً عن كل موضع آخر. أما الآن فقد علمت أن
مكاناً أحل فيه هو كل مكان. و أن فسحة أشغلها هي كل المسافات.
وعظتني نفسي فعلمتني أن أسهر و سكان الحي راقدون.
و أن أنام وهن منتبهون. و قبل أن تعظني نفسي كنت لا أرى أحلامهم في هجعتي و لا يرصدون أحلام في غفلتهم. أما الآن
فلا أسبح مرفرفاً في منامي إلا وهم يرقبونني و لا يطيرون في أحلامهم إلا وفرحت بانعتاقهم.
وعظتني نفسي فعلمتني أن لا أطرب لمديح و لا أجزع بمذمة. و قبل أن تعظني نفسي كنت أظل مرتاباً في قيمة أعمالي و
قدرها حتى تبعث إليها الأيام بمن يقرظها أو يهجوها. أما الآن فقد عرفت أن الأشجار تزهر في الربيع و تثمر في الصيف و لا
مطمع لها بالثناء. و تنثر أوراقها في الخريف و تتعرى في الشتاء و لا تخشى الملامة.
وعظتني نفسي فعلمتني و أثبتت لي أنني لست بأرفع من الصعاليك، و لا أدنى من الجبابرة. و قبل أن تعظني نفسي كنت
أحسب الناس رجلين: رجلاً ضعيفاً أرق له أو أزدري به، و رجلاً فرداً مما كون البشر منه جماعة. فعناصري عناصرهم. و
طويتي طويتهم. و منازعي منازعهم. و محجتي محجتهم. فإن أذنبوا فأنا المذنب. و إن أحسنوا عملاً فاخرت بعملهم. و إن
نهضوا نهضت و إياهم. و إن تقاعدوا تقاعدت معهم.
وعظتني نفسي فعلمتني أن السراج الذي أحمله ليس لي، و الأغنية التي أنشدها لم تتكون في أحشائي. فأنا و إن سرت بالنور
لست بالنور، و أنا و إن كنت عوداً مشدود الأوتار فلست بالعواد
وعظتني نفسي يا أخي و علمتني. و لقد وعظتك نفسك و علمتك.
فأنت و أنا متشابهان متضارعان.
انا انت وانت انا
و ما الفرق بيننا سوى أنني أتكلم عما بي و في كلامي شيء من اللجاجة.
و أنت تكتم ما بك و في تكتمك شكل من الفضيلة
تحياتي لكـــــــم