أدوماتو
07-29-2008, 11:54 AM
تحقيق : رخصة "دولية" لكل معلم
تربوي تك ( الوكالات ):
الرخصة الدولية للتدريس.. "كلمة السر" وراء الجدل الواسع الدائر حاليا بين المعلمين.
البعض يعتبرها "داء" يتهدده في حالة عدم اجتيازه الاختبارات اللازمة للاستمرار في المهنة. آخرون يرونها "دواء" لعلاج سلبيات العملية التعليمية، ومواكبة مسيرة التنمية الشاملة.
المؤيدون للرخصة يصفونها بأنها "نقلة نوعية" للنهوض بالتعليم في جميع مراحله، بينما يذهب المعارضون إلى أن المناخ "غير مهيأ"، والأولوية لرعاية المعلم.
الجدل أفرز أسئلة عديدة تبحث عن إجابات "شافية" من جميع الأطراف، خاصة وزارة التربية والتعليم التي أعلنت أنها تدرس تنفيذ مشروع الرخصة بالتعاون مع عدة جهات أخرى.
فأيهما يسبق الآخر: "الرخصة" أم الوفاء بحقوق المعلمين المادية والصحية والعلمية؟. وهل يضمن نظام "الرخصة" الارتقاء بالعملية التعليمية أم إن الأمر يتطلب تشخيص "الداء"، واقتراح "الدواء" لتهيئة المناخ لاستقبال هذا النظام؟
ما الضوابط اللازمة لضمان الاستفادة من خبرات الدول التي سبقتنا في هذا المجال مع الحفاظ على قيمنا وثوابتنا الدينية والاجتماعية؟
هل تكفي "الرخصة" وحدها للنهوض بأحوال المعلم، وتطوير أدائه أم إنها لا تُغني عن دور الجامعات والكليات التربوية؟. وماذا سيكون مصير المعلم الذي قضى سنوات حتى تخرج في كليات التربية، ولم يوفق في اجتياز اختبار الرخصة؟
في التحقيق التالي نتوقف أمام آراء المؤيدين والمعارضين وحججهم في محاولة للإجابة عن تلك التساؤلات.
بداية.. يطالب سعد بن عبدالله قمشع ـ مدير مدرسة ـ وزارة التربية والتعليم بالوفاء بالتزاماتها كاملة تجاه المعلمين، ويؤكد أن تلك الالتزامات تتمثل في حقوقهم المشروعة التي كفلها النظام لهم، ومن ثم يتسنى مطالبتهم بإتقان العمل، وتطوير الأداء، والمشاركة في دفع العملية التعليمية بمختلف جوانبها إلى الأمام.
ويقول: إن شريحة المعلمين والمعلمات تعد "الأكبر" ضمن موظفي الدولة من حيث العدد، وكذلك الدور الذي تضطلع به في المجتمع، ومع ذلك لم تحظ هذه الشريحة المهمة بالرعاية اللازمة، خاصة ما يتصل بقضايا الوظائف، والرعاية الصحية، والتدريب الكافي، والابتعاث إلى الخارج لاستكمال الدراسات العليا والاستفادة من خبرات الآخرين.
إصلاح الخلل
أما المعلم عبد الرحمن الحمياني فيدعو الوزارة إلى دراسة الميدان التربوي جيدا قبل الشروع في تنفيذ مشروع الرخصة الدولية، مشيرا إلى أن تشخيص الواقع خطوة أولى في سبيل العلاج الصحيح.
ويضيف أن الوزارة باتجاهها إلى إقرار رخصة المعلم تهدف إلى تلافي الأخطاء الحاصلة في الميدان التربوي، وإصلاح القصور الواضح في بعض جوانب التعليم، والارتقاء بالعملية التعليمية في جميع عناصرها ومراحلها، وذلك يحسب للوزارة لإحساسها بأبعاد المشكلة، وحرصها على إصلاح أي خلل بأسلوب علمي.
الحمياني لا يُخفي ـ في الوقت نفسه ـ أسفه، لأن الوزارة ـ على حد تعبيره ـ تحدد العلاج وتصرف الدواء على صفحات "التعاميم" وتقصر جهودها على الجانب النظري دون العملي.
ويوضح أن المعلم الذي تريد الوزارة أن تجعله خارج ميدان التعليم إذا لم ينجح في "اختبارات" رخصة التدريس كانت هي نفسها يوما ما شريكا في إعداده لهذا الدور من خلال دراسته في مرحلة التعليم العام.
مردود إيجابي.. بشروط!
ويجزم المعلم فواز بن محمد آل راقع ـ بمدينة الرياض ـ بأنه رغم إيجابية المردود الذي ستحققه رخصة التدريس إلا أن هناك عددا من الموضوعات ينبغي على الوزارة استكمالها، من خلال توفير التدريب الدائم للمعلمين، وتحقيق رغباتهم في النقل، وزيادة فرص الابتعاث إلى الخارج للدراسات العليا، وكذلك تشجيع الدورات التدريبية الخارجية.
يقول: إذا استطاعت الوزارة تحقيق ذلك فإنه يمكن تطبيق نظام الرخصة الدولية رغم أن الصورة لم تتضح بعد، وما إذا كانت تلك الرخصة ملزمة أم لا؟ وهل تخص المعلمين القدامى أم الجدد أم الجميع؟.
ويرى المعلم علي بن سعيد البشري ـ خميس مشيط ـ أن الوزارة أغفلت كثيرا من حقوق المعلمين، وهذا جعل العديدين منهم لا يستسيغون تطبيق مشروع الرخصة الدولية قبل الوفاء بتلك الحقوق.
ويؤكد أنه في مقدمة ذلك تحسين مستويات الآلاف من المعلمين، وتوفير الخدمات الصحية لهم، حيث فوجيء المعلمون بعزم الوزارة إلغاء الوحدات الصحية المدرسية وتحويلها إلى وزارة الصحة، وكان المعلمون ينظرون إليها على أنها "نواة" لمستشفيات إقليمية تعمل على تقديم خدمات صحية راقية للمعلمين والمعلمات.
البشري يشير أيضا إلى وجود العديد من السلبيات التي ينبغي التغلب عليها..منها: غياب حوافز المعلمين والمعلمات، وعدم وجود الدورات التدريبية طويلة الأجل، وتضييق فرص الابتعاث للخارج للدراسات العليا.
عمل مؤسسي
أما المعلم علي آل درويش فيرى أن تنفيذ مشروع الرخصة الدولية يحتاج إلى عمل مؤسسي، مؤكدا أن بعض قرارات الوزارة لا يجعل الميدان مهيأ لتطبيق المشروع.
يقول: أرجو ألا تُغضب صراحتي أحدا، فخلال العامين الأخيرين أصدرت الوزارة بعض "التعاميم" التي يمكن وصفها بأنها "تسببت في إرباك العاملين بالميدان التربوي"، ومنها ما يخص لائحة تقويم الطالب التي ظلت على مدى سنوات سابقة محل أخذ وعطاء، ولا تكاد فترة قصيرة تمر حتى يصل تعميم جديد بحذف فقرة أو إضافة أخرى إلى التعميم الذي سبقه.
وينسحب ذلك على الكثير من التنظيمات التي ما تلبث أن تصل إلى المدارس باعتبارها مسرح التنفيذ حتى يصل في أعقابها تنظيم جديد يلغي سابقه أو يضيف جديدا أو يصحح خطأ بعد اكتشافه.. وهكذا.
آل درويش يضرب المثل على صحة ما ذهب إليه بقوله: أصدرت الوزارة قبيل نهاية العام الدراسي الماضي تنظيما جديدا لإجازات شاغلي الوظائف التعليمية، ولم يكن الوقت مناسبا، فمعظم المعلمين خططوا لإجازاتهم، ثم فوجئوا بالتنظيم الجديد يتضمن معاملة المشرفين التربويين كالإداريين بحيث تكون إجازتهم لمدة 35 يوما فقط.
يضيف أن المشرف التربوي يعمل بمسمى وظيفة "معلم" وله الحق في إجازة معلم وليس إداريا، الأمر الذي أدى إلى دهشة كثيرين من العاملين في الميدان التربوي، لتعاود الوزارة بعد نحو 10 أيام إصدار تنظيم جديد يراعي حقوق المشرفين التربويين، ويتلافى ما تضمنه التنظيم السابق عليه.
عدم ارتياح
ويسجل المعلم سعيد بن عوض آل معدي وجود ما أسماه "عدم ارتياح" بين بعض المعلمين بسبب قلة المقاعد المخصصة لإكمال الدراسات العليا، الأمر الذي يجعل من الصعوبة تطبيق مشروع الرخصة.
يتساءل: هل تصر الوزارة على أن يكون الحد الأعلى لمؤهلات المعلمين درجة البكالوريوس؟ ويقول: إن خطة التدريب والابتعاث التي صدرت عن الوزارة أخيرا تضمنت تخصيص مقعد واحد فقط في بعض التخصصات يتنافس عليه مئات الآلاف من المعلمين، إضافة إلى التعقيدات التي يجدها المعلمون في عمليات الترشيح والإيفاد.
صيحة تحذير يطلقها المعلم أحمد الشديدي ـ تعليم الرياض ـ من أن الميدان التربوي يعاني من عدم كفاءة بعض المعلمين، وقلة خبراتهم، مؤكدا ضرورة وضع الضوابط الكفيلة بإعادة تأهيلهم وتدريبهم من خلال جميع القنوات المتاحة.
ويصف مشروع الرخصة بأنه سيسهم في حل الكثير من مشكلات المعلمين، خاصة إذا أحسنت الوزارة الاستفادة من خبرات بعض الدول المتقدمة التي سبق أن طبقت مشروع الرخصة، إضافة إلى دراسة أحوال المعلمين في تلك الدول، وكيف أنهم مستوفون لكامل حقوقهم، ثم مقارنة ذلك بوضع المعلمين عندنا، والتأكد من أن بيئتنا التعليمية مهيأة لتطبيق المشروع.
حوافز "معطلة"
أما المعلم محمد القحطاني ـ مدير مدرسة سابق ـ فيطالب الوزارة بتقديم القدوة للمعلمين من خلال تفعيل برامجها ومشروعاتها حتى لا تكون مطالبتها المعلمين بمشروع الرخصة من قبيل الترف.
ويستشهد على ذلك بمشروع الحوافز الخاصة بمديري المدارس الذي أصدرته الوزارة عام 1422، حيث نصّ على تمتع مدير المدرسة بالإجازة الصيفية بعد انتهاء أعمال اختبارات الدور الأول مباشرة، وحقه في التقدم للعمل مشرفا تربويا، والإيفاد خارج المملكة، وأولوية في العمل بحملات محو الأمية، وأفضلية في النقل معلما داخل إدارة التربية والتعليم أو من إدارة لأخرى.
كما تضمنت الحوافز أن لمدير المدرسة الأفضلية في التفرغ للدراسات العليا والابتعاث للخارج، والدورات التدريبية.
يقول: عند حصولي على مقعد للدراسات العليا في إحدى الجامعات تقدمت بطلب تفرغ، ورغم انطباق جميع الشروط على حالتي وأحقيتي وفقا لنظام الحوافز فوجئت بعدم تفعيل الوزارة لتلك الحوافز ومن ثم سقط حقي في التفرغ.
اختيار الكفاءات
ويشدد أحمد خضران العمري ـ مشرف تربوي ـ على أنه من حق الوزارة اختيار الكفاءات الجيدة لمهنة التدريس باعتبار التعليم أساس التنمية الشاملة.
ويطالب الوزارة بفتح قنوات جديدة للارتقاء بمستوى المعلمين، وعدم قصر الأمر على الرخصة الدولية، فالجامعات والكليات تتولى مسؤولية إعداد المعلمين، كما كانت وزارة التربية والتعليم مسؤولة عن إعداد المعلمين وقت إشرافها على نحو 18 كلية للمعلمين.
ويقول: ليس من المناسب أن يقضي الطالب ما بين أربع إلى خمس سنوات بين ردهات الجامعة لاسيما الكليات التربوية، ثم يتخرج فيها، ولا يقبل في مهنة التعليم، بحجة عدم اجتيازه اختبار الرخصة الدولية.. ويتساءل: في حالة عدم التحاقه بمهنة التدريس فأين القطاع المناسب الذي سيذهب إليه؟
على جانب آخر يؤكد الدكتور عبد العزيز بن شهوان الشهوان الأستاذ المساعد بقسم الإدارة التربوية في جامعة الملك سعود أنه من حق وزارة التربية والتعليم وضع النظم الكفيلة بترقية أداء المعلمين، وضمان ألا تكون مزاولة مهنة التدريس لكل من هبّ ودبّ، شريطة وضع الخطوات الكفيلة بنجاح المشروع، والعمل على تفاعل المعلمين معه سواء القدامى أو الجدد.
الشهوان يؤكد أن الرخصة الدولية للمعلمين مطبقة في العديد من دول العالم وكانت لها نتائج إيجابية جيدة انعكست على مستوى المعلم، ومن ثم الطالب الذي يعد المستهدف الأول من العملية التعليمية والتربوية.
وقفة جادة
الدكتور عامر بن عبد الله الشهراني عميد الدراسات العليا بجامعة الملك خالد يؤيد فكرة مشروع الرخصة الدولية لأنها تعنى بالمعلم وأدائه بالدرجة الأولى.
ويؤكد أن التدريس في المرحلة الابتدائية يحتاج إلى وقفة جادة من قبل الجهات المعنية، مشيراً إلى ضرورة تجهيزها بجميع ما يحتاجه الطلاب، وما تتطلبه مناهجهم، مشدداً على ضرورة اختيار المعلمين الأكفاء للتدريس في هذه المرحلة، خاصة الصفوف الدنيا منها، بناء على أسس علمية.
الشهراني يصف دور المعلم في هذه المرحلة بأنه متشعب ومتعدد، فهو أب، ومعلم، وموجه و مرشد وقائد وقدوة، وكل هذه الصفات تتطلب أن يكون لدى المعلم المهارات التي تؤهله للقيام بهذه المهام.
كما أن مناهج هذه الصفوف تحتاج إلى تطوير وتحديث بصفة مستمرة، على أن تتم الاستفادة من خبرات الدول المتقدمة، بما لا يتعارض مع ثوابتنا وعقيدتنا، باعتبار الصفوف الأولية من المرحلة الابتدائية من أهم مراحل التعليم، حيث يتم من خلالها التعامل مع الطالب في الفترة الأولى بعد تركه للمنزل الذي يلقى فيه اهتمام الأسرة ورعايتها، ولذلك فإن هذه المرحلة تحتاج إلى عناية خاصة من كل من المعلم ومدير المدرسة.
جدل.. في "الشورى"
الجدل حول "الرخصة" لم يكن بين صفوف المعلمين وحدهم، فقد أيد 71 عضواً في مجلس الشورى دراسة مشروع يلزم المعلمين بالحصول على رخصة مزاولة التدريس تقدمت بطلب دراسته للمجلس لجنة الشؤون التعليمية والبحث العلمي، مقابل 33 عضواً رأوا عدم ملاءمة دراسة المشروع.
أروقة المجلس شهدت جدلا واسعا حول المشروع ما بين مؤيد ومعارض.. فالمؤيدون يرون أن هذا النظام سيحد من الخلل في التعليم الذي تسبب فيه المعلمون غير المعدين إعداداً جيداً، خاصة أن الكثيرين منهم يكتفون بشهادة "البكالوريوس" إلى أن يتوفاهم الله، أو يتقاعدوا ولا يحاولون تطوير مستواهم بالدورات المتخصصة
أما المعارضون فيرون أن الشباب ليسوا في حاجة إلى ما يعرقل توظيفهم، الأمر الذي يدفع إلى ظهور العديد من "الواسطات والشفاعات" التي تعود بنتائج وخيمة، حيث يحرم الأكفاء من الفرص المتاحة، ويستفيد منها أصحاب النفوذ، إضافة إلى كون نظام الرخصة يتعارض مع أهداف وبرامج كليات التربية والمعلمين التي يتخرج فيها الطالب وهو مهيأ للتعليم.
المتحدث الرسمي لوزارة التربية والتعليم الدكتور عبد العزيز الجار الله قال إن فريق عمل في الوزارة يعكف حاليا على دراسة مشروع الرخصة الدولية للمعلمين، بالتعاون مع عدد من الجهات المعنية بتطوير العملية التعليمية.
أكد حرص الوزارة على الاستفادة من تجارب الدول التي تطبق تلك الرخصة، والتي ستصبح ملزمة في حال إقرارها.
8 حقوق أساسية توفرها وزارة التربية للمعلمين
يكفل النظام للمعلمين ثمانية حقوق أساسية ترعاها وزارة التربية والتعليم.. هي:
- إعطاء المعلمين ما يستحقونه من المستويات الممنوحة لهم نظاما.
- تقديم الخدمات الصحية المناسبة لهم وإنشاء مستشفيات خاصة بهم في كافة المناطق.
- ترشيح الأعداد المناسبة سنويا لدورات طويلة المدى داخل وخارج المملكة.
- تهيئة البيئة المناسبة ومستلزماتها للمعلمين في المدارس ليؤدوا رسالتهم على أكمل وجه.
- ترشيح الأعداد المناسبة للدراسات العليا.
- تأمين بدل سكن للمعلمين.
- مراعاة ظروف طالبي النقل قدر الإمكان.
- إقرار المزيد من الحوافز المادية لتمييز المجتهد من غيره.
تربوي تك ( الوكالات ):
الرخصة الدولية للتدريس.. "كلمة السر" وراء الجدل الواسع الدائر حاليا بين المعلمين.
البعض يعتبرها "داء" يتهدده في حالة عدم اجتيازه الاختبارات اللازمة للاستمرار في المهنة. آخرون يرونها "دواء" لعلاج سلبيات العملية التعليمية، ومواكبة مسيرة التنمية الشاملة.
المؤيدون للرخصة يصفونها بأنها "نقلة نوعية" للنهوض بالتعليم في جميع مراحله، بينما يذهب المعارضون إلى أن المناخ "غير مهيأ"، والأولوية لرعاية المعلم.
الجدل أفرز أسئلة عديدة تبحث عن إجابات "شافية" من جميع الأطراف، خاصة وزارة التربية والتعليم التي أعلنت أنها تدرس تنفيذ مشروع الرخصة بالتعاون مع عدة جهات أخرى.
فأيهما يسبق الآخر: "الرخصة" أم الوفاء بحقوق المعلمين المادية والصحية والعلمية؟. وهل يضمن نظام "الرخصة" الارتقاء بالعملية التعليمية أم إن الأمر يتطلب تشخيص "الداء"، واقتراح "الدواء" لتهيئة المناخ لاستقبال هذا النظام؟
ما الضوابط اللازمة لضمان الاستفادة من خبرات الدول التي سبقتنا في هذا المجال مع الحفاظ على قيمنا وثوابتنا الدينية والاجتماعية؟
هل تكفي "الرخصة" وحدها للنهوض بأحوال المعلم، وتطوير أدائه أم إنها لا تُغني عن دور الجامعات والكليات التربوية؟. وماذا سيكون مصير المعلم الذي قضى سنوات حتى تخرج في كليات التربية، ولم يوفق في اجتياز اختبار الرخصة؟
في التحقيق التالي نتوقف أمام آراء المؤيدين والمعارضين وحججهم في محاولة للإجابة عن تلك التساؤلات.
بداية.. يطالب سعد بن عبدالله قمشع ـ مدير مدرسة ـ وزارة التربية والتعليم بالوفاء بالتزاماتها كاملة تجاه المعلمين، ويؤكد أن تلك الالتزامات تتمثل في حقوقهم المشروعة التي كفلها النظام لهم، ومن ثم يتسنى مطالبتهم بإتقان العمل، وتطوير الأداء، والمشاركة في دفع العملية التعليمية بمختلف جوانبها إلى الأمام.
ويقول: إن شريحة المعلمين والمعلمات تعد "الأكبر" ضمن موظفي الدولة من حيث العدد، وكذلك الدور الذي تضطلع به في المجتمع، ومع ذلك لم تحظ هذه الشريحة المهمة بالرعاية اللازمة، خاصة ما يتصل بقضايا الوظائف، والرعاية الصحية، والتدريب الكافي، والابتعاث إلى الخارج لاستكمال الدراسات العليا والاستفادة من خبرات الآخرين.
إصلاح الخلل
أما المعلم عبد الرحمن الحمياني فيدعو الوزارة إلى دراسة الميدان التربوي جيدا قبل الشروع في تنفيذ مشروع الرخصة الدولية، مشيرا إلى أن تشخيص الواقع خطوة أولى في سبيل العلاج الصحيح.
ويضيف أن الوزارة باتجاهها إلى إقرار رخصة المعلم تهدف إلى تلافي الأخطاء الحاصلة في الميدان التربوي، وإصلاح القصور الواضح في بعض جوانب التعليم، والارتقاء بالعملية التعليمية في جميع عناصرها ومراحلها، وذلك يحسب للوزارة لإحساسها بأبعاد المشكلة، وحرصها على إصلاح أي خلل بأسلوب علمي.
الحمياني لا يُخفي ـ في الوقت نفسه ـ أسفه، لأن الوزارة ـ على حد تعبيره ـ تحدد العلاج وتصرف الدواء على صفحات "التعاميم" وتقصر جهودها على الجانب النظري دون العملي.
ويوضح أن المعلم الذي تريد الوزارة أن تجعله خارج ميدان التعليم إذا لم ينجح في "اختبارات" رخصة التدريس كانت هي نفسها يوما ما شريكا في إعداده لهذا الدور من خلال دراسته في مرحلة التعليم العام.
مردود إيجابي.. بشروط!
ويجزم المعلم فواز بن محمد آل راقع ـ بمدينة الرياض ـ بأنه رغم إيجابية المردود الذي ستحققه رخصة التدريس إلا أن هناك عددا من الموضوعات ينبغي على الوزارة استكمالها، من خلال توفير التدريب الدائم للمعلمين، وتحقيق رغباتهم في النقل، وزيادة فرص الابتعاث إلى الخارج للدراسات العليا، وكذلك تشجيع الدورات التدريبية الخارجية.
يقول: إذا استطاعت الوزارة تحقيق ذلك فإنه يمكن تطبيق نظام الرخصة الدولية رغم أن الصورة لم تتضح بعد، وما إذا كانت تلك الرخصة ملزمة أم لا؟ وهل تخص المعلمين القدامى أم الجدد أم الجميع؟.
ويرى المعلم علي بن سعيد البشري ـ خميس مشيط ـ أن الوزارة أغفلت كثيرا من حقوق المعلمين، وهذا جعل العديدين منهم لا يستسيغون تطبيق مشروع الرخصة الدولية قبل الوفاء بتلك الحقوق.
ويؤكد أنه في مقدمة ذلك تحسين مستويات الآلاف من المعلمين، وتوفير الخدمات الصحية لهم، حيث فوجيء المعلمون بعزم الوزارة إلغاء الوحدات الصحية المدرسية وتحويلها إلى وزارة الصحة، وكان المعلمون ينظرون إليها على أنها "نواة" لمستشفيات إقليمية تعمل على تقديم خدمات صحية راقية للمعلمين والمعلمات.
البشري يشير أيضا إلى وجود العديد من السلبيات التي ينبغي التغلب عليها..منها: غياب حوافز المعلمين والمعلمات، وعدم وجود الدورات التدريبية طويلة الأجل، وتضييق فرص الابتعاث للخارج للدراسات العليا.
عمل مؤسسي
أما المعلم علي آل درويش فيرى أن تنفيذ مشروع الرخصة الدولية يحتاج إلى عمل مؤسسي، مؤكدا أن بعض قرارات الوزارة لا يجعل الميدان مهيأ لتطبيق المشروع.
يقول: أرجو ألا تُغضب صراحتي أحدا، فخلال العامين الأخيرين أصدرت الوزارة بعض "التعاميم" التي يمكن وصفها بأنها "تسببت في إرباك العاملين بالميدان التربوي"، ومنها ما يخص لائحة تقويم الطالب التي ظلت على مدى سنوات سابقة محل أخذ وعطاء، ولا تكاد فترة قصيرة تمر حتى يصل تعميم جديد بحذف فقرة أو إضافة أخرى إلى التعميم الذي سبقه.
وينسحب ذلك على الكثير من التنظيمات التي ما تلبث أن تصل إلى المدارس باعتبارها مسرح التنفيذ حتى يصل في أعقابها تنظيم جديد يلغي سابقه أو يضيف جديدا أو يصحح خطأ بعد اكتشافه.. وهكذا.
آل درويش يضرب المثل على صحة ما ذهب إليه بقوله: أصدرت الوزارة قبيل نهاية العام الدراسي الماضي تنظيما جديدا لإجازات شاغلي الوظائف التعليمية، ولم يكن الوقت مناسبا، فمعظم المعلمين خططوا لإجازاتهم، ثم فوجئوا بالتنظيم الجديد يتضمن معاملة المشرفين التربويين كالإداريين بحيث تكون إجازتهم لمدة 35 يوما فقط.
يضيف أن المشرف التربوي يعمل بمسمى وظيفة "معلم" وله الحق في إجازة معلم وليس إداريا، الأمر الذي أدى إلى دهشة كثيرين من العاملين في الميدان التربوي، لتعاود الوزارة بعد نحو 10 أيام إصدار تنظيم جديد يراعي حقوق المشرفين التربويين، ويتلافى ما تضمنه التنظيم السابق عليه.
عدم ارتياح
ويسجل المعلم سعيد بن عوض آل معدي وجود ما أسماه "عدم ارتياح" بين بعض المعلمين بسبب قلة المقاعد المخصصة لإكمال الدراسات العليا، الأمر الذي يجعل من الصعوبة تطبيق مشروع الرخصة.
يتساءل: هل تصر الوزارة على أن يكون الحد الأعلى لمؤهلات المعلمين درجة البكالوريوس؟ ويقول: إن خطة التدريب والابتعاث التي صدرت عن الوزارة أخيرا تضمنت تخصيص مقعد واحد فقط في بعض التخصصات يتنافس عليه مئات الآلاف من المعلمين، إضافة إلى التعقيدات التي يجدها المعلمون في عمليات الترشيح والإيفاد.
صيحة تحذير يطلقها المعلم أحمد الشديدي ـ تعليم الرياض ـ من أن الميدان التربوي يعاني من عدم كفاءة بعض المعلمين، وقلة خبراتهم، مؤكدا ضرورة وضع الضوابط الكفيلة بإعادة تأهيلهم وتدريبهم من خلال جميع القنوات المتاحة.
ويصف مشروع الرخصة بأنه سيسهم في حل الكثير من مشكلات المعلمين، خاصة إذا أحسنت الوزارة الاستفادة من خبرات بعض الدول المتقدمة التي سبق أن طبقت مشروع الرخصة، إضافة إلى دراسة أحوال المعلمين في تلك الدول، وكيف أنهم مستوفون لكامل حقوقهم، ثم مقارنة ذلك بوضع المعلمين عندنا، والتأكد من أن بيئتنا التعليمية مهيأة لتطبيق المشروع.
حوافز "معطلة"
أما المعلم محمد القحطاني ـ مدير مدرسة سابق ـ فيطالب الوزارة بتقديم القدوة للمعلمين من خلال تفعيل برامجها ومشروعاتها حتى لا تكون مطالبتها المعلمين بمشروع الرخصة من قبيل الترف.
ويستشهد على ذلك بمشروع الحوافز الخاصة بمديري المدارس الذي أصدرته الوزارة عام 1422، حيث نصّ على تمتع مدير المدرسة بالإجازة الصيفية بعد انتهاء أعمال اختبارات الدور الأول مباشرة، وحقه في التقدم للعمل مشرفا تربويا، والإيفاد خارج المملكة، وأولوية في العمل بحملات محو الأمية، وأفضلية في النقل معلما داخل إدارة التربية والتعليم أو من إدارة لأخرى.
كما تضمنت الحوافز أن لمدير المدرسة الأفضلية في التفرغ للدراسات العليا والابتعاث للخارج، والدورات التدريبية.
يقول: عند حصولي على مقعد للدراسات العليا في إحدى الجامعات تقدمت بطلب تفرغ، ورغم انطباق جميع الشروط على حالتي وأحقيتي وفقا لنظام الحوافز فوجئت بعدم تفعيل الوزارة لتلك الحوافز ومن ثم سقط حقي في التفرغ.
اختيار الكفاءات
ويشدد أحمد خضران العمري ـ مشرف تربوي ـ على أنه من حق الوزارة اختيار الكفاءات الجيدة لمهنة التدريس باعتبار التعليم أساس التنمية الشاملة.
ويطالب الوزارة بفتح قنوات جديدة للارتقاء بمستوى المعلمين، وعدم قصر الأمر على الرخصة الدولية، فالجامعات والكليات تتولى مسؤولية إعداد المعلمين، كما كانت وزارة التربية والتعليم مسؤولة عن إعداد المعلمين وقت إشرافها على نحو 18 كلية للمعلمين.
ويقول: ليس من المناسب أن يقضي الطالب ما بين أربع إلى خمس سنوات بين ردهات الجامعة لاسيما الكليات التربوية، ثم يتخرج فيها، ولا يقبل في مهنة التعليم، بحجة عدم اجتيازه اختبار الرخصة الدولية.. ويتساءل: في حالة عدم التحاقه بمهنة التدريس فأين القطاع المناسب الذي سيذهب إليه؟
على جانب آخر يؤكد الدكتور عبد العزيز بن شهوان الشهوان الأستاذ المساعد بقسم الإدارة التربوية في جامعة الملك سعود أنه من حق وزارة التربية والتعليم وضع النظم الكفيلة بترقية أداء المعلمين، وضمان ألا تكون مزاولة مهنة التدريس لكل من هبّ ودبّ، شريطة وضع الخطوات الكفيلة بنجاح المشروع، والعمل على تفاعل المعلمين معه سواء القدامى أو الجدد.
الشهوان يؤكد أن الرخصة الدولية للمعلمين مطبقة في العديد من دول العالم وكانت لها نتائج إيجابية جيدة انعكست على مستوى المعلم، ومن ثم الطالب الذي يعد المستهدف الأول من العملية التعليمية والتربوية.
وقفة جادة
الدكتور عامر بن عبد الله الشهراني عميد الدراسات العليا بجامعة الملك خالد يؤيد فكرة مشروع الرخصة الدولية لأنها تعنى بالمعلم وأدائه بالدرجة الأولى.
ويؤكد أن التدريس في المرحلة الابتدائية يحتاج إلى وقفة جادة من قبل الجهات المعنية، مشيراً إلى ضرورة تجهيزها بجميع ما يحتاجه الطلاب، وما تتطلبه مناهجهم، مشدداً على ضرورة اختيار المعلمين الأكفاء للتدريس في هذه المرحلة، خاصة الصفوف الدنيا منها، بناء على أسس علمية.
الشهراني يصف دور المعلم في هذه المرحلة بأنه متشعب ومتعدد، فهو أب، ومعلم، وموجه و مرشد وقائد وقدوة، وكل هذه الصفات تتطلب أن يكون لدى المعلم المهارات التي تؤهله للقيام بهذه المهام.
كما أن مناهج هذه الصفوف تحتاج إلى تطوير وتحديث بصفة مستمرة، على أن تتم الاستفادة من خبرات الدول المتقدمة، بما لا يتعارض مع ثوابتنا وعقيدتنا، باعتبار الصفوف الأولية من المرحلة الابتدائية من أهم مراحل التعليم، حيث يتم من خلالها التعامل مع الطالب في الفترة الأولى بعد تركه للمنزل الذي يلقى فيه اهتمام الأسرة ورعايتها، ولذلك فإن هذه المرحلة تحتاج إلى عناية خاصة من كل من المعلم ومدير المدرسة.
جدل.. في "الشورى"
الجدل حول "الرخصة" لم يكن بين صفوف المعلمين وحدهم، فقد أيد 71 عضواً في مجلس الشورى دراسة مشروع يلزم المعلمين بالحصول على رخصة مزاولة التدريس تقدمت بطلب دراسته للمجلس لجنة الشؤون التعليمية والبحث العلمي، مقابل 33 عضواً رأوا عدم ملاءمة دراسة المشروع.
أروقة المجلس شهدت جدلا واسعا حول المشروع ما بين مؤيد ومعارض.. فالمؤيدون يرون أن هذا النظام سيحد من الخلل في التعليم الذي تسبب فيه المعلمون غير المعدين إعداداً جيداً، خاصة أن الكثيرين منهم يكتفون بشهادة "البكالوريوس" إلى أن يتوفاهم الله، أو يتقاعدوا ولا يحاولون تطوير مستواهم بالدورات المتخصصة
أما المعارضون فيرون أن الشباب ليسوا في حاجة إلى ما يعرقل توظيفهم، الأمر الذي يدفع إلى ظهور العديد من "الواسطات والشفاعات" التي تعود بنتائج وخيمة، حيث يحرم الأكفاء من الفرص المتاحة، ويستفيد منها أصحاب النفوذ، إضافة إلى كون نظام الرخصة يتعارض مع أهداف وبرامج كليات التربية والمعلمين التي يتخرج فيها الطالب وهو مهيأ للتعليم.
المتحدث الرسمي لوزارة التربية والتعليم الدكتور عبد العزيز الجار الله قال إن فريق عمل في الوزارة يعكف حاليا على دراسة مشروع الرخصة الدولية للمعلمين، بالتعاون مع عدد من الجهات المعنية بتطوير العملية التعليمية.
أكد حرص الوزارة على الاستفادة من تجارب الدول التي تطبق تلك الرخصة، والتي ستصبح ملزمة في حال إقرارها.
8 حقوق أساسية توفرها وزارة التربية للمعلمين
يكفل النظام للمعلمين ثمانية حقوق أساسية ترعاها وزارة التربية والتعليم.. هي:
- إعطاء المعلمين ما يستحقونه من المستويات الممنوحة لهم نظاما.
- تقديم الخدمات الصحية المناسبة لهم وإنشاء مستشفيات خاصة بهم في كافة المناطق.
- ترشيح الأعداد المناسبة سنويا لدورات طويلة المدى داخل وخارج المملكة.
- تهيئة البيئة المناسبة ومستلزماتها للمعلمين في المدارس ليؤدوا رسالتهم على أكمل وجه.
- ترشيح الأعداد المناسبة للدراسات العليا.
- تأمين بدل سكن للمعلمين.
- مراعاة ظروف طالبي النقل قدر الإمكان.
- إقرار المزيد من الحوافز المادية لتمييز المجتهد من غيره.