أدوماتو
08-06-2008, 01:02 PM
الخبراء والمختصون يحذرون من "صمت" الطلاب و"تجميدهم" على مقاعد الدراسة
غياب "ثقافة الحوار" بالجامعات يُبدد آمال الأجيال الجديدة في الإبداع والتطوير
الدمام: نوره الهاجري
"التلقين" و"الحفظ" و"التلقي في صمت".. ثلاثة أضلاع لمثلث، أو بالأحرى، أسلوب تعليمي تقليدي قديم لم يعد قادرا على مواجهة المتغيرات التي يشهدها المجتمع.
أخطر ما يفرزه هذا الأسلوب هو "تغييب" الطالب الجامعي، فكرا وإبداعا ومشاركة في تنمية مجتمعه، والنهوض به في شتى المجالات.
غابت "ثقافة الحوار" عن قاعات الدرس والمحاضرات في كثير من جامعاتنا، وغابت معها عمليات التطوير والتحديث في نظم التعليم الجامعي.
لا ننكر أن هناك جهودا تبذلها وزارة التعليم العالي في مجال التدريب والتحديث، لكن كثيرين من الأساتذة يرون أن مستواهم العلمي "أكبر" من أن يُقال عنه إنه في حاجة إلى "تطوير".
فإلى متى نرضى لأبنائنا أن يظلوا مقيدين صامتين على مقاعد الدراسة، دون أن يكون لهم أي دور حتى تجاه مستقبلهم، والمواد العلمية التي يتعلمونها، ولو بالحوار والمناقشة.
ومتى يفتح الأستاذ الجامعي صدره لاستيعاب فكر الأجيال الجديدة، وتبني إبداعاتها في خدمة الوطن؟.
أليس الأجدر تشجيع الشباب على المشاركة، ولو بالكلمة والفكرة، في جهود التنمية، بدلا من خروجهم إلى الحياة سلبيين مهمشين غير قادرين على التفاعل مع المستجدات؟.
ومن أين نبدأ الطريق لفتح باب الحوار والمناقشة بين الأستاذ والطالب الجامعي.. ومن المسؤول عن أخذ زمام المبادرة في هذا الميدان؟.
أسئلة عديدة طرحناها على عدد من الخبراء والمختصين وأساتذة الجامعات.. نحاول الإجابة عنها في التحقيق التالي.
مجموعة من أكاديميات كليات الآداب للبنات بالدمام أجمعن على أن نسبة النقاش مع الطالبات في القاعات لا تتجاوز 1%.. أي أنه يُمكن الجزم بأن قاعات الكلية تخلو من النقاشات والحوار.
ويُرجعن أسباب غياب ثقافة الحوار إلى ارتفاع عدد الطالبات في القاعات الجامعية، حيث يتجاوز 160 طالبة في القاعة، إضافة إلى طول المنهج التعليمي.
إحدى الأكاديميات في كلية للبنات بالدمام تعترف بأنها أعطت أكثر من 120 ساعة تدريسية للسنة الثالثة في المرحلة الجامعية دون منح ربع ساعة للحوار مع الطالبات وتؤكد اعتيادها على هذا الأسلوب، لأنها تخرجت في تلك الكلية بطرق التدريس الحالية نفسها.
مجموعة أخرى، لكنها هذه المرة من طلاب وطالبات المرحلة الجامعية يدرسون في كليات وجامعات مختلفة في مناطق عديدة بالمملكة، يُجمعون على غياب "ثقافة الحوار"، وعدم إفساح مجال النقاش معهم خلال ساعات المحاضرات.
يُشددون على افتقار كثيرين من أساتذتهم إلى مهارة الحوار، واستيعاب الرأي الآخر، والقدرة على الإقناع، والوصول إلى النتائج بعد التحليل المتبادل بين الأستاذ والطالب.
4 سنوات.. بلا حوار!
الطالبات موضي القحطاني ومنى الخالدي وفريدة الغامدي يصفن "حضورهن العلمي" بأنه "مُغيّب" ويجزمن بأنهن لا صوت لهن في المحاضرات، بسبب انعدام "الحوار" طوال سنوات دراستهن، بدءا من السنة الأولى حتى السنة الرابعة ـ سنة التخرج ـ في كلية الآداب بالدمام.
ويؤكدن أنه لم يُسمح لهن طوال تلك السنوات بأي حوار مفتوح مع عضوات هيئة التدريس، كمالم تتمكن أي واحدة منهن من التحاور مع أعضاء هيئة التدريس بالشكل المطلوب لوجودهم خلف الشبكات التلفزيونية.
أما بسام النعيم الطالب في السنة الثانية بكلية المعلمين، فيؤكد أنه يُصرّ على أن يحاور الأستاذ الجامعي على الرغم من عدم إتاحة فرص كافية لذلك الحوار.
يُوضّح أن الهدف وراء إصراره على الحوار أنه يحتاج إلى إثبات وجهات نظره المخالفة في المادة العلمية. ويعيب على أصحاب الأساليب القديمة في التدريس أنهم "لا يتطورون".
"رغبة" الأستاذ.. أولا!
الطالبان محمد الهاجري وحمدان الزهراني يُرجعان أسباب عدم التحاور خلال المحاضرات إلى رغبة الأستاذ في الانتهاء من سرد حديثه، لضمان سرعة العودة إلى المنزل، مؤكدين عدم رغبتهما في الحوار، ومقللين من أهميته وجدواه.
ويلفتان إلى أن "التحاور" مع الأساتذة خلال الفصل الجامعي يتسبب في "تَوتّرهم"، الأمر الذي يجعل الطلاب يفضلون الصمت والتلقي على الحوار والنقاش. ويُوضّحان أن لديهما أفكارا مهمة، ومواضيع عديدة تستحق المناقشة لم يثيراها مع أساتذتهما، زهدا في جدوى تلك المناقشة.
الهاجري يقول: إن مجموع من قاموا بتدريسنا في السنوات الثلاث في كلية المعلمين أكثر من 16 أستاذا من بين 22 عضو هيئة تدريس.. أغلبهم لم ينتبوا إلى وجودنا في الصف، ولم يتعرفوا على أسمائنا، بل إن بعضهم لم يسمع أصواتنا إلا خارج الصف للنقاش عن الحضور والغياب.
"صمت" الطالب.. مرفوض
الدكتور خضر القرشي رئيس اللجنة التعليمية بمجلس الشورى يُشدد على أن الطالب هو محور العملية التعليمية، الأمر الذي يجعله مدعوا دائما إلى البحث والاستكشاف. يقول: إنه من حق الطالب الجامعي المشاركة، بل والاستئثار بنحو 70% من المحاضرة الجامعية.
وينتقد أسلوب "صمت" الطالب، وتجميده على مقعد الدراسة الجامعية، طوال فترة المحاضرة لا همّ له ولا نشاط سوى أن يتلقى فقط، موضحا انعدام صقل المهارات، وإهمال التعلم المطلوب، وعدم القدرة على الاستيعاب في تلك الحالة.
يُحذر من أن استمرار تلك الأساليب في بعض الجامعات يفرز مخرجات تعليمية سلبية، تم تهميشها، واضمحلال مهاراتها، وقتلها، باعتبارها تعتمد على الإنصات والجمع مما قيل لها، الأمر الذي يتسبب في ضعف التحصيل، وانعدام الابتكار لدى الطالب الجامعي، فيتسم بالسلبية في الحياة التعليمية والعلمية.
ويصف أسلوب المحاضرة بالتلقين بأنه "أسلوب قديم" ينعدم فيه تفعيل الاستكشاف والبحث اللذين باتت طرقهما متوفرة تكنولوجيا.
الدكتور القرشي يرى أن دور الأستاذ الجامعي "توجيهي" أكثر منه "تدريسياً" وأن عليه أن يوجه الطالب الجامعي، كما أن على الطالب أن يعي حقيقة أنه محور العملية التعليمية والعلمية من خلال المعلومات المستكشفة، والمادة العلمية، ليُبيّن وجهات نظره في مختلف الموضوعات.
تقليل عدد الطلاب
الدكتورة أروى الشيباني الأستاذ المساعد في جامعة الملك فيصل تجزم بحاجة الأستاذ الجامعي إلى التطوير وتعلم طرق التدريس في نُظم التعليم الحديث، واستيعاب حوارات الطالب بالشكل الإيجابي.
وتُرجع أسباب "انتشار" طريقة التلقين في التدريس الجامعي إلى الأعداد الكبيرة في الفصول الجامعية. وتُوضح أن فرص الحوار تتطلب التقليل من عدد الطلاب أو الطالبات في الفصل الجامعي الواحد بحيث لا يزيد على 40 طالبا أو طالبة كحد أعلى ليؤدي التدريس دوره الفعال.
وتستبعد إمكانية تفاعل الأستاذ الجامعي مع جميع الطلاب أو الطالبات. تقول: إن المناقشة من خلال تقسيم طلاب أو طالبات الفصل الجامعي إلى مجموعات فصلية، وتوزيع تمارين فورية تعدّ من أساليب مشاركة الطالب وتواصله مع الأستاذ في المحاضرة.
وتطالب بزيادة فرص الحوار للطالب أو الطالبة لتفادي مخرجات تعليم من العطشى للدورات التأهيلية، بهدف تطوير شخصية الطالب اجتماعيا وذاتيا.
ثقافة الإنصات والتلقي
أما الدكتورة سوزان بسيوني أستاذ الصحة النفسية في كلية التربية للبنات بمكة المكرمة فتؤكد أهمية المناقشة والحوار في المحاضرة الجامعية، للمساعدة على تكوين شخصية الطالب، وإثارة الجانب العقلي والفكري لديه، إضافة إلى تقوية الصلة بين الطالب والأستاذ.
وترى أن عدم اتباع الطرق التدريسية "الحديثة" يوجد فجوة بينهما، الأمر الذي لا يسمح بإبداء الطالب رأيه في طريقة التدريس والتقويم.
وتدعو أعضاء هيئة التدريس في كليات وجامعات المملكة إلى معالجة القصور والخجل الاجتماعي في الطالب الجامعي، وتشجيع حواره ومشاركته في جميع الأنشطة.
وترجع ضعف التسويق الذاتي لدى الطالب الجامعي إلى أساسيات التربية، وطرق التعليم في المراحل الابتدائية، مشيرة إلى وجود قصور في طرق التدريس في تلك المراحل، حيث تقوم على ثقافة الإنصات والتلقي.
كما تدعو إلى المقارنة بين الطفل السعودي وقرنائه في بعض الدول العربية والأجنبية، حيث نلاحظ جرأة الأخير في التحدث عن ذاته، وتمتعه بتوفير بدائل للتفكير وسرعة الإجابة.
زيادة فرص الحوار
وتطالب الدكتورة سوزان بزيادة فرص الحوار والنقاش للطالب الجامعي، ومنحه فرصة الاطلاع على المادة العلمية والمنهج الدراسي في بداية العام الجامعي، للوقوف على ما يتناسب معه من طرح بعض الأمثلة الواقعية حسب المادة العلمية، إضافة إلى فسح المجال لاقتراحاته.
وتلفت إلى أن فترة تتراوح بين 30 دقيقة و40 دقيقة بعد كل محاضرة جامعية تصل إلى ساعتين تعتبر مدة زمنية كافية لحوار الطالب ومناقشته لأساتذته، كما أنها كافية لإثارة الأفكار العقلية لديه، وإعطاء نبذة عن الفروقات الفردية بين الطلاب، لتوضيح حالة الطالب الشغوف، ومحب الاستكشاف من الطالب متدني الشغف الذي يستهدف الحصول على الشهادة فقط، دون التحصيل العلمي.
وتقترح الدكتورة سوزان تحويل بعض مخرجات التعليم من المعروفين بتدني المستوى التعليمي والتسويق الذاتي إلى دورات تأهيل لتطوير الذات، وإعادة الثقة بالنفس، واصفة مجموعة كبيرة من مخرجات التعليم في الجامعات السعودية بأنها "مخرجات لا تعبر عن ذواتها بثقة".
5 دقائق.. لا تكفي!
الدكتورة إلهام الجفري الأكاديمية في كلية التربية في مكة المكرمة تؤكد أن التعلم عن طريق الشبكات أحد أسباب الحد من الحوار بين الطالب الجامعي والأستاذ.
وتُوضح أن الأستاذ الجامعي يكتفي بإعطاء المعلومة، ويعتمد على فرض الواجبات، ومطالبة الطالب بالأبحاث العلمية كصلة بينهما، دون أن يُفسح الأستاذ المجال للحوار، وإنما يكتفي بنحو خمس دقائق للاستماع إلى سؤالين أو ثلاثة أسئلة في نهاية المحاضرة.
وتُشدد على أنه ينبغي أن تبدأ المحاضرة الجامعية بحوار وتنتهي بحوار، ليطلع الأستاذ الجامعي على خلفيات الطالب العلمية قبل المحاضرة، ويتعرف على مستوى معلوماته، وكذلك مستوى استيعابه، كما يتعرف على وجهات نظره في ختامها.
مهارة توصيل المعلومة
الدكتور محمد البشري خبير التدريب في مراكز التدريب السعودية بالرياض عضو الجمعية الدولية للتدريب والتخطيط يؤكد أهمية نشر ثقافة التدريب لتطوير أداء أعضاء هيئة التدريس في الجامعات.
ويرى أن تقييم توجه أعضاء هيئة التدريس للبرامج التدريبية التي تطرحها مراكز التطوير والتدريب "متوسط التقبل"، مشيرا إلى تفاعل البعض و تطوره مع تلك الدورات.
ويُرجع أسباب عدم اتساع الإقبال بالمستوى المطلوب على تلك البرامج إلى اقتناع بعض أعضاء هيئات التدريس بالوصول إلى مستوى من البحث العلمي العالي لا يجعله في حاجة إلى تطوير ذاته، على الرغم من حاجته إلى تطوير أساليب توصيل العلم، فضلا عن عدم إلزام الجامعات لأعضاء هيئات التدريس بالتدريب، وجعله اختياريا.
ضمان استيعاب الطالب
يجزم الدكتور البشري بأن عددا كبيرا من أعضاء هيئة التدريس لم يسبق اشتراكه في برامج تدريبية، الأمر الذي يعني أن هناك ضياعا لمادة علمية لدى الأستاذ الجامعي الذي لا يملك مهارة توصيل المعلومة أو المادة العلمية بالشكل المطلوب، وذلك بسبب عدم اكتسابه مهارات حديثة تتناسب مع الحاجة الدائمة لضمان استيعاب الطالب الجامعي.
ويُشير إلى أن وزارة التعليم العالي بالمملكة قدمت مبادرة للجامعات السعودية، لطرح احتياجات التدريب كمناقصات في المراكز التدريبية بعد أن حددت الجامعات الاحتياجات التدريبية لأعضاء هيئة التدريس وفق دراسة علمية، الأمر الذي وفّر فرصا مهمة لدورات تدريبية مميزة تطرحها مراكز التدريب لأعضاء هيئة التدريس.
ويجزم الدكتور البشري بأن هناك حاجة إلى بعض الوقت حتى تظهر ثمار البرامج التدريبية، وتتضح آثارها على أداء أعضاء هيئة التدريس، مؤكدا قرب انتهاء المرحلة التقليدية في طرق التدريس بالجامعات.
غياب "ثقافة الحوار" بالجامعات يُبدد آمال الأجيال الجديدة في الإبداع والتطوير
الدمام: نوره الهاجري
"التلقين" و"الحفظ" و"التلقي في صمت".. ثلاثة أضلاع لمثلث، أو بالأحرى، أسلوب تعليمي تقليدي قديم لم يعد قادرا على مواجهة المتغيرات التي يشهدها المجتمع.
أخطر ما يفرزه هذا الأسلوب هو "تغييب" الطالب الجامعي، فكرا وإبداعا ومشاركة في تنمية مجتمعه، والنهوض به في شتى المجالات.
غابت "ثقافة الحوار" عن قاعات الدرس والمحاضرات في كثير من جامعاتنا، وغابت معها عمليات التطوير والتحديث في نظم التعليم الجامعي.
لا ننكر أن هناك جهودا تبذلها وزارة التعليم العالي في مجال التدريب والتحديث، لكن كثيرين من الأساتذة يرون أن مستواهم العلمي "أكبر" من أن يُقال عنه إنه في حاجة إلى "تطوير".
فإلى متى نرضى لأبنائنا أن يظلوا مقيدين صامتين على مقاعد الدراسة، دون أن يكون لهم أي دور حتى تجاه مستقبلهم، والمواد العلمية التي يتعلمونها، ولو بالحوار والمناقشة.
ومتى يفتح الأستاذ الجامعي صدره لاستيعاب فكر الأجيال الجديدة، وتبني إبداعاتها في خدمة الوطن؟.
أليس الأجدر تشجيع الشباب على المشاركة، ولو بالكلمة والفكرة، في جهود التنمية، بدلا من خروجهم إلى الحياة سلبيين مهمشين غير قادرين على التفاعل مع المستجدات؟.
ومن أين نبدأ الطريق لفتح باب الحوار والمناقشة بين الأستاذ والطالب الجامعي.. ومن المسؤول عن أخذ زمام المبادرة في هذا الميدان؟.
أسئلة عديدة طرحناها على عدد من الخبراء والمختصين وأساتذة الجامعات.. نحاول الإجابة عنها في التحقيق التالي.
مجموعة من أكاديميات كليات الآداب للبنات بالدمام أجمعن على أن نسبة النقاش مع الطالبات في القاعات لا تتجاوز 1%.. أي أنه يُمكن الجزم بأن قاعات الكلية تخلو من النقاشات والحوار.
ويُرجعن أسباب غياب ثقافة الحوار إلى ارتفاع عدد الطالبات في القاعات الجامعية، حيث يتجاوز 160 طالبة في القاعة، إضافة إلى طول المنهج التعليمي.
إحدى الأكاديميات في كلية للبنات بالدمام تعترف بأنها أعطت أكثر من 120 ساعة تدريسية للسنة الثالثة في المرحلة الجامعية دون منح ربع ساعة للحوار مع الطالبات وتؤكد اعتيادها على هذا الأسلوب، لأنها تخرجت في تلك الكلية بطرق التدريس الحالية نفسها.
مجموعة أخرى، لكنها هذه المرة من طلاب وطالبات المرحلة الجامعية يدرسون في كليات وجامعات مختلفة في مناطق عديدة بالمملكة، يُجمعون على غياب "ثقافة الحوار"، وعدم إفساح مجال النقاش معهم خلال ساعات المحاضرات.
يُشددون على افتقار كثيرين من أساتذتهم إلى مهارة الحوار، واستيعاب الرأي الآخر، والقدرة على الإقناع، والوصول إلى النتائج بعد التحليل المتبادل بين الأستاذ والطالب.
4 سنوات.. بلا حوار!
الطالبات موضي القحطاني ومنى الخالدي وفريدة الغامدي يصفن "حضورهن العلمي" بأنه "مُغيّب" ويجزمن بأنهن لا صوت لهن في المحاضرات، بسبب انعدام "الحوار" طوال سنوات دراستهن، بدءا من السنة الأولى حتى السنة الرابعة ـ سنة التخرج ـ في كلية الآداب بالدمام.
ويؤكدن أنه لم يُسمح لهن طوال تلك السنوات بأي حوار مفتوح مع عضوات هيئة التدريس، كمالم تتمكن أي واحدة منهن من التحاور مع أعضاء هيئة التدريس بالشكل المطلوب لوجودهم خلف الشبكات التلفزيونية.
أما بسام النعيم الطالب في السنة الثانية بكلية المعلمين، فيؤكد أنه يُصرّ على أن يحاور الأستاذ الجامعي على الرغم من عدم إتاحة فرص كافية لذلك الحوار.
يُوضّح أن الهدف وراء إصراره على الحوار أنه يحتاج إلى إثبات وجهات نظره المخالفة في المادة العلمية. ويعيب على أصحاب الأساليب القديمة في التدريس أنهم "لا يتطورون".
"رغبة" الأستاذ.. أولا!
الطالبان محمد الهاجري وحمدان الزهراني يُرجعان أسباب عدم التحاور خلال المحاضرات إلى رغبة الأستاذ في الانتهاء من سرد حديثه، لضمان سرعة العودة إلى المنزل، مؤكدين عدم رغبتهما في الحوار، ومقللين من أهميته وجدواه.
ويلفتان إلى أن "التحاور" مع الأساتذة خلال الفصل الجامعي يتسبب في "تَوتّرهم"، الأمر الذي يجعل الطلاب يفضلون الصمت والتلقي على الحوار والنقاش. ويُوضّحان أن لديهما أفكارا مهمة، ومواضيع عديدة تستحق المناقشة لم يثيراها مع أساتذتهما، زهدا في جدوى تلك المناقشة.
الهاجري يقول: إن مجموع من قاموا بتدريسنا في السنوات الثلاث في كلية المعلمين أكثر من 16 أستاذا من بين 22 عضو هيئة تدريس.. أغلبهم لم ينتبوا إلى وجودنا في الصف، ولم يتعرفوا على أسمائنا، بل إن بعضهم لم يسمع أصواتنا إلا خارج الصف للنقاش عن الحضور والغياب.
"صمت" الطالب.. مرفوض
الدكتور خضر القرشي رئيس اللجنة التعليمية بمجلس الشورى يُشدد على أن الطالب هو محور العملية التعليمية، الأمر الذي يجعله مدعوا دائما إلى البحث والاستكشاف. يقول: إنه من حق الطالب الجامعي المشاركة، بل والاستئثار بنحو 70% من المحاضرة الجامعية.
وينتقد أسلوب "صمت" الطالب، وتجميده على مقعد الدراسة الجامعية، طوال فترة المحاضرة لا همّ له ولا نشاط سوى أن يتلقى فقط، موضحا انعدام صقل المهارات، وإهمال التعلم المطلوب، وعدم القدرة على الاستيعاب في تلك الحالة.
يُحذر من أن استمرار تلك الأساليب في بعض الجامعات يفرز مخرجات تعليمية سلبية، تم تهميشها، واضمحلال مهاراتها، وقتلها، باعتبارها تعتمد على الإنصات والجمع مما قيل لها، الأمر الذي يتسبب في ضعف التحصيل، وانعدام الابتكار لدى الطالب الجامعي، فيتسم بالسلبية في الحياة التعليمية والعلمية.
ويصف أسلوب المحاضرة بالتلقين بأنه "أسلوب قديم" ينعدم فيه تفعيل الاستكشاف والبحث اللذين باتت طرقهما متوفرة تكنولوجيا.
الدكتور القرشي يرى أن دور الأستاذ الجامعي "توجيهي" أكثر منه "تدريسياً" وأن عليه أن يوجه الطالب الجامعي، كما أن على الطالب أن يعي حقيقة أنه محور العملية التعليمية والعلمية من خلال المعلومات المستكشفة، والمادة العلمية، ليُبيّن وجهات نظره في مختلف الموضوعات.
تقليل عدد الطلاب
الدكتورة أروى الشيباني الأستاذ المساعد في جامعة الملك فيصل تجزم بحاجة الأستاذ الجامعي إلى التطوير وتعلم طرق التدريس في نُظم التعليم الحديث، واستيعاب حوارات الطالب بالشكل الإيجابي.
وتُرجع أسباب "انتشار" طريقة التلقين في التدريس الجامعي إلى الأعداد الكبيرة في الفصول الجامعية. وتُوضح أن فرص الحوار تتطلب التقليل من عدد الطلاب أو الطالبات في الفصل الجامعي الواحد بحيث لا يزيد على 40 طالبا أو طالبة كحد أعلى ليؤدي التدريس دوره الفعال.
وتستبعد إمكانية تفاعل الأستاذ الجامعي مع جميع الطلاب أو الطالبات. تقول: إن المناقشة من خلال تقسيم طلاب أو طالبات الفصل الجامعي إلى مجموعات فصلية، وتوزيع تمارين فورية تعدّ من أساليب مشاركة الطالب وتواصله مع الأستاذ في المحاضرة.
وتطالب بزيادة فرص الحوار للطالب أو الطالبة لتفادي مخرجات تعليم من العطشى للدورات التأهيلية، بهدف تطوير شخصية الطالب اجتماعيا وذاتيا.
ثقافة الإنصات والتلقي
أما الدكتورة سوزان بسيوني أستاذ الصحة النفسية في كلية التربية للبنات بمكة المكرمة فتؤكد أهمية المناقشة والحوار في المحاضرة الجامعية، للمساعدة على تكوين شخصية الطالب، وإثارة الجانب العقلي والفكري لديه، إضافة إلى تقوية الصلة بين الطالب والأستاذ.
وترى أن عدم اتباع الطرق التدريسية "الحديثة" يوجد فجوة بينهما، الأمر الذي لا يسمح بإبداء الطالب رأيه في طريقة التدريس والتقويم.
وتدعو أعضاء هيئة التدريس في كليات وجامعات المملكة إلى معالجة القصور والخجل الاجتماعي في الطالب الجامعي، وتشجيع حواره ومشاركته في جميع الأنشطة.
وترجع ضعف التسويق الذاتي لدى الطالب الجامعي إلى أساسيات التربية، وطرق التعليم في المراحل الابتدائية، مشيرة إلى وجود قصور في طرق التدريس في تلك المراحل، حيث تقوم على ثقافة الإنصات والتلقي.
كما تدعو إلى المقارنة بين الطفل السعودي وقرنائه في بعض الدول العربية والأجنبية، حيث نلاحظ جرأة الأخير في التحدث عن ذاته، وتمتعه بتوفير بدائل للتفكير وسرعة الإجابة.
زيادة فرص الحوار
وتطالب الدكتورة سوزان بزيادة فرص الحوار والنقاش للطالب الجامعي، ومنحه فرصة الاطلاع على المادة العلمية والمنهج الدراسي في بداية العام الجامعي، للوقوف على ما يتناسب معه من طرح بعض الأمثلة الواقعية حسب المادة العلمية، إضافة إلى فسح المجال لاقتراحاته.
وتلفت إلى أن فترة تتراوح بين 30 دقيقة و40 دقيقة بعد كل محاضرة جامعية تصل إلى ساعتين تعتبر مدة زمنية كافية لحوار الطالب ومناقشته لأساتذته، كما أنها كافية لإثارة الأفكار العقلية لديه، وإعطاء نبذة عن الفروقات الفردية بين الطلاب، لتوضيح حالة الطالب الشغوف، ومحب الاستكشاف من الطالب متدني الشغف الذي يستهدف الحصول على الشهادة فقط، دون التحصيل العلمي.
وتقترح الدكتورة سوزان تحويل بعض مخرجات التعليم من المعروفين بتدني المستوى التعليمي والتسويق الذاتي إلى دورات تأهيل لتطوير الذات، وإعادة الثقة بالنفس، واصفة مجموعة كبيرة من مخرجات التعليم في الجامعات السعودية بأنها "مخرجات لا تعبر عن ذواتها بثقة".
5 دقائق.. لا تكفي!
الدكتورة إلهام الجفري الأكاديمية في كلية التربية في مكة المكرمة تؤكد أن التعلم عن طريق الشبكات أحد أسباب الحد من الحوار بين الطالب الجامعي والأستاذ.
وتُوضح أن الأستاذ الجامعي يكتفي بإعطاء المعلومة، ويعتمد على فرض الواجبات، ومطالبة الطالب بالأبحاث العلمية كصلة بينهما، دون أن يُفسح الأستاذ المجال للحوار، وإنما يكتفي بنحو خمس دقائق للاستماع إلى سؤالين أو ثلاثة أسئلة في نهاية المحاضرة.
وتُشدد على أنه ينبغي أن تبدأ المحاضرة الجامعية بحوار وتنتهي بحوار، ليطلع الأستاذ الجامعي على خلفيات الطالب العلمية قبل المحاضرة، ويتعرف على مستوى معلوماته، وكذلك مستوى استيعابه، كما يتعرف على وجهات نظره في ختامها.
مهارة توصيل المعلومة
الدكتور محمد البشري خبير التدريب في مراكز التدريب السعودية بالرياض عضو الجمعية الدولية للتدريب والتخطيط يؤكد أهمية نشر ثقافة التدريب لتطوير أداء أعضاء هيئة التدريس في الجامعات.
ويرى أن تقييم توجه أعضاء هيئة التدريس للبرامج التدريبية التي تطرحها مراكز التطوير والتدريب "متوسط التقبل"، مشيرا إلى تفاعل البعض و تطوره مع تلك الدورات.
ويُرجع أسباب عدم اتساع الإقبال بالمستوى المطلوب على تلك البرامج إلى اقتناع بعض أعضاء هيئات التدريس بالوصول إلى مستوى من البحث العلمي العالي لا يجعله في حاجة إلى تطوير ذاته، على الرغم من حاجته إلى تطوير أساليب توصيل العلم، فضلا عن عدم إلزام الجامعات لأعضاء هيئات التدريس بالتدريب، وجعله اختياريا.
ضمان استيعاب الطالب
يجزم الدكتور البشري بأن عددا كبيرا من أعضاء هيئة التدريس لم يسبق اشتراكه في برامج تدريبية، الأمر الذي يعني أن هناك ضياعا لمادة علمية لدى الأستاذ الجامعي الذي لا يملك مهارة توصيل المعلومة أو المادة العلمية بالشكل المطلوب، وذلك بسبب عدم اكتسابه مهارات حديثة تتناسب مع الحاجة الدائمة لضمان استيعاب الطالب الجامعي.
ويُشير إلى أن وزارة التعليم العالي بالمملكة قدمت مبادرة للجامعات السعودية، لطرح احتياجات التدريب كمناقصات في المراكز التدريبية بعد أن حددت الجامعات الاحتياجات التدريبية لأعضاء هيئة التدريس وفق دراسة علمية، الأمر الذي وفّر فرصا مهمة لدورات تدريبية مميزة تطرحها مراكز التدريب لأعضاء هيئة التدريس.
ويجزم الدكتور البشري بأن هناك حاجة إلى بعض الوقت حتى تظهر ثمار البرامج التدريبية، وتتضح آثارها على أداء أعضاء هيئة التدريس، مؤكدا قرب انتهاء المرحلة التقليدية في طرق التدريس بالجامعات.