أدوماتو
08-10-2008, 11:33 AM
وفاة محمود درويش شاعر الثورة والوطن
http://www.alwatan.com.sa/news/images/newsimages/2872/1008.cul.p25.n3.jpg
محمود درويش
أبها، رام الله، باريس، هيوستن: عيسى سوادي، بندر خليل، عضوان الأحمري، عبدالرؤوف أرناؤوط، فابيولا بدوي، الوكالات
توفي الشاعر العربي الفلسطيني محمود درويش في هيوستن الأمريكية أمس، بعد عملية جراحية في القلب.
وذكرت مصادر فلسطينية أن درويش خضع لعملية قلب مفتوح يوم الأربعاء الماضي، مشيرة إلى حدوث مضاعفات بعد العملية.
وتضمنت العملية الأخيرة إصلاح ما يقارب 26 ملم من الشريان "الأبهر الأورطي".
يذكر أن درويش يعد أحد أهم الشعراء الفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن.
توفي مساء أمس الشاعر الفلسطيني محمود درويش في مستشفى بتكساس جنوب الولايات المتحدة، بحسب ما أعلنت متحدثة باسم المستشفى. ويعتبر الراحل أهم الشعراء الفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن، وبين أبرز من ساهموا في تطوير الشعر العربي الحديث.
وكانت الأخبار قد تضاربت وتسارعت على مدار اليوم حول الوضع الصحي للشاعر الذي أجريت له الأربعاء الماضي عملية قلب مفتوح في هيوستن بأمريكا، وذلك بعد أن بثت قناة "العربية" خبرا عن وفاته، ثم تلتها قناة "الجزيرة"، ونقلت عنهما وكالات الأنباء. إلا أن الخبر قد تم نفيه لاحقا، وصار الحديث عن وفاة سريرية، ثم نقلت وكالة الأنباء الفرنسية أن ليزا لاجرون مديرة مستشفى "هرمان تكساس ميديكال سنتر" في تكساس بجنوب الولايات المتحدة حيث يعالج دوريش أكدت أنه لا يزال في وضع حرج بعدما خضع لجراحة في المستشفى المذكور. ونفت لاجرون خبر وفاة الشاعر الذي أوردته أكثر من فضائية عربية.
وكان رئيس تحرير صحيفة "الأيام" الفلسطينية أكرم هنية قد أكد أن وضع الشاعر الفلسطيني "حرج للغاية بعدما حدثت مضاعفات في الشريان الأبهر". وقالت مصادر فلسطينية إن درويش في وضع "مقلق" ويخضع للتنفس الاصطناعي منذ يومين بعد حدوث مضاعفات للعملية التي خضع لها. وسبق لدرويش أن أجرى عمليتين في القلب في العامين 1984 و1998.
وتضمنت العملية الأخيرة إصلاح ما يقارب 26 ملم من الشريان الأبهر "الأورطي" الذي كان قد تعرض لتوسع شديد تجاوز درجة الأمان الطبيعية المقبولة طبيا، حيث قيل إن العملية تكللت بالنجاح في مستشفى "ميموريال هيرمان" الأمريكي في هيوستن بولاية تكساس. وذكرت المصادر المقربة من الشاعر "أن وضعه الصحي أكثر من مقلق، فقد حدثت مضاعفات بعد العملية".
وقبل هذه العملية "خضع درويش لقسطرة في القلب وسلسلة فحوص دقيقة للتأكد من وضعه الصحي الإجمالي واستعداد القلب والكلى خاصة لمثل هذه العملية الأساسية والدقيقة".
حزن ثقافي
قال الشاعر الفلسطيني إبراهيم نصرالله "كيف يمكن أن نرتجل كلاما في مثل هذا الموت؟ وأمام هذا الموت الذي يهزمنا مرة أخرى، بإصابة مباشرة وفي القلب تماما.كما لو أننا نعاني من قلة الأعداء، وقلة القتلة؟!
رحيل محمود درويش، فصل كبير من فصول هذه التراجيديا الفلسطينية أو (الملهاة)، التي لا يصل فيها الحبيب إلى الحبيب، كما قال ذات يوم، إلا شريدا أو شهيدا.
رحيله، كما رحيل أي فنان أو كاتب كبير، يترك مساحة هائلة من الروح الفلسطينية والعربية عارية، فكل قصيدة هي سماء ملجأ لهذه الروح؛ ولذا، نحن اليوم نرزح تحت ثقل خسارة كبرى بهذا الرحيل القاسي، خسارة افتقادنا لمبدع كبير سنفتقد قصائده الجديدة التي هي رفيقة الطريق ورفيقة الحلم لشعب يستحق أن يحيا حياته حرا فوق الأرض لا تحت التراب.
مرة أخرى يهزمنا الموت بكل هذه القسوة، لأنه الأكثر معرفة بأننا كنا دائما عشاق حياة".
من جهته قال الشاعر والكاتب اليمني عبدالعزيز المقالح "كان بالنسبة لي صديقا عزيزاً جمعتنا لقاءات عديدة بدءاً بالقاهرة إلى صنعاء، وبرحيله فقدت الأمة العربية واحداً من أكبر شعرائها في هذه المرحلة. فقد كان بلا أدنى مبالغة شاعر الثورة العربية والقضية على مدى نصف قرن.
مثل درويش لا يغيب، لا يستطيع الموت أن يبعده عن وجدان الجماهير العربية التي أحبّت شعره وتجمعت في الميادين المختلفة لتصغي إليه بوجدانها.. وفي هذه اللحظة المؤلمة والجارحة لا بد للكلمات أن تعاني الارتبـاك وألا تقول ما يستحق أن يقال في مثل هذه المناسبة. عزاءً لفلسطين والأمة العربية..عزاءً للشعر والشعراء".
وقال الشاعر السعودي محمد زايد الألمعي" يمثل محمود درويش بالنسبة لجيلنا، الكثير المتجاوز لأطروحة الحداثة النظرية، والداخل في عمق التجربة المتشبث بالكثير من أشكال البلاغة التقليدية، والمتجاوز بها إلى آفاق أكثر حداثة مما كان يُنظر له على مستوى القصيدة العربية الحديثة، بحيث استطاع إعادة استمرار الغنائية حتى في أعلى أشكالها بكائية أدهشت كل من اعتقد أن هذه الغنائية استنفدت أدواتها مع القصيدة التقليدية.
أيضاً درويش استطاع بهذا من جانب آخر كونه قادماً من عمق القضية الفلسطينية، فاستطاع أن يطوق الشعور العربي وجدانياً، بحيث كان يُستقبل كواحدٍ من نجوم السينما بكل بساطة.
محمود درويش ليس كذلك فقط، فهو مفكر وصاحب رؤية، وكنا نعتقد أنه سياسي ولكنه يفكر في السياسة وليس سياسيا، ولذلك سرعان ما نفرَ من منظومة المؤسسة السياسية الفلسطينية.
درويش في ذاكرتنا هو الكرمل والسجال والثنائية مع سميح قاسم. وهو الدهشة التي كنا ننتظرها في العام مرّة ومرّات.. لنهرب بشكل أو بآخر مما اجترحه بذكاء في القصيدة ونكتب كشعراء قصائدنا بعيداً عن ظله العالي.
ومن فرنسا قال مدير معهد الفنون والآداب العربية في باريس الدكتور أسامة خليل "محمود درويش ليس كما يظن البعض من أنه شاعر شهير داخل الوطن العربي، هذا ليس صحيحا على الإطلاق، فلهذا الشاعر حضور كبير لدى الغرب سواء من خلال دواوينه المترجمة إلى الفرنسية، أو من خلال حضور قصائده في المناسبات الوطنية، وقد لمست ذلك بنفسي. فخلال شهري يوليو وأغسطس من العام 2006، تم تخصيصهما داخل المعهد لأمسيات متواصلة من أجل التضامن مع لبنان في محنتها في ذلك الوقت، وبطبيعة الحال فلسطين كانت حاضرة على المشهد طوال تلك الفترة، وقد كان البطل الرئيسي على مدى الشهرين هو شعر محمود درويش، الذي كانت قصائده تلقى بشكل متواصل باللغات الثلاث العربية، والفرنسية، والإسبانية، وكانت تلقى حضورا وإقبالا وتجاوبا من المتلقي الفرنسي بلغ حد أن القاعة كانت تضيق بالحضور، بل أن بعض الفرنسيين كانوا يلجؤون إلى المنزل الملاصق للمعهد، فقط من أجل الاستماع إلى قصائد درويش. مضحين برؤية الأفلام التي كانت تعرض حول مشاهد حية لقصف لبنان، وكانت هامة جدا بالنسبة للجمهور الفرنسي، ولكن لكثرة العدد، كانوا يكتفون بالاستماع، من خلف الجدران، لكلمات هذا الشاعر الذي جسد الجرح العربي والفلسطيني كما لم يجسده أحد".
الشاعر السعودي علي الدميني بعد أن التزم الصمت قال لـ"الوطن": نحّى الغياب أحد أعظم شعراء العربية، وشعراء العصر، أخذ الغياب ظلاله الحية، وغادر في لحظة مباغتة تشبه طعنة الكلمات الأخيرة، لكن "محمود درويش" سيبقى حيا بيننا "وفي مكان ما" ودائما.. التجربة الأكثر فرادة في زمن القصيدة المعاصرة، العشق الأنيق للمعنى البعيد والبسيط.. في المعنى الغامض والمدهش.. الغنائي حتى الجذور، والمتأمل حتى حدود الفيض والحكمة والـتأمل الشفيف.
حياته
ولد محمود درويش في عام 1941 في قرية "البروة" التي دمرت عام 1948. ليهاجر مع عائلته إلى لبنان قبل أن تعود العائلة وتعيش في الجليل. وأجبر درويش على مغادرة البلاد بعد أن اعتقل عدة مرات ثم عاد بعد التوقيع على اتفاقيات السلام المؤقتة.
درويش، بعد إنهائه تعليمه الثانوي، كانت حياته عبارة عن كتابة للشعر والمقالات في صحافة الحزب الشيوعي الإسرائيلي، مثل "الاتحاد" و"الجديد" التي أصبح فيما بعد مشرفا على تحريرها، كما اشترك في تحرير جريدة الفجر.
لم يسلم درويش من مضايقات الشرطة، حيث فرضت عليه الإقامة الجبرية أكثر من مرّة منذ العام 1961 بتهم تتعلق بأقواله ونشاطاته السياسية، حتى عام 1972 حيث نزح إلى مصر وانتقل بعدها إلى لبنان حيث عمل في مؤسسات النشر والدراسات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقد استقال محمود درويش من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير احتجاجاً على اتفاق أوسلو.
شغل منصب رئيس رابطة الكتاب والصحفيين الفلسطينيين وحرر مجلة الكرمل، وأقام في باريس قبل عودته إلى وطنه، حيث إنه دخل إلى فلسطين بتصريح لزيارة أمه، وفي فترة وجوده هناك قدم بعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي العرب واليهود اقتراحا بالسماح له بالبقاء في وطنه، وقد سمح له بذلك.
ويعتبر درويش واحدا من أهم الشعراء الفلسطينيين المعاصرين الذين امتزج شعرهم بحب الوطن والحبيبة وترجمت أعماله إلى ما يقرب من 22 لغة وحصل على العديد من الجوائز العالمية. وهو من أهم الشعراء المعاصرين الذين ارتبطت اسماؤهم بشعر الثورة والوطن. كما يعتبر أحد أبرز من ساهموا بتطوير الشعر العربي الحديث واستخدام الرمزية كأداةٍ لصناعته. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي تم إعلانها في الجزائر.
الجوائز
-جائزة لوتس عام 1969.
-جائزة البحر المتوسط عام 1980.
-درع الثورة الفلسطينية عام 1981.
-لوحة أوروبا للشعر عام 1981.
-جائزة ابن سينا في الاتحاد السوفيتي عام 1982.
-جائزة لينين في الاتحاد السوفييتي عام 1983.
آخر نصوصه بمناسبة الذكرى الـ60 للنكبة
على محطة قطار سقط عن الخريطة
عُشْبٌ، هواء يابسٌ، شَوْكٌ، وصَبَّارٌ على سِكَك الحديد.
هناك شَكْلُ الشيء في عَبَثيَّة اللاّ شكل يمضغ ظلَّهُ..
عَدَمٌ هناك مُوَثَّقٌ.. ومُطَوَّقٌ بنقيضهِ ويمامتان تُحَلِّقانِ على سَقيفة غرفة
مهجورة عند المحطّةِ والمحطّةُ مثل وَشْم ذاب في جسد المكانِ هناك أَيضاً سَرْوتان نحيلتان كإبرتين طويلتينِ تُطَرِّزان سحابةً صفراءَ ليمونيَّةً
وهناك سائحةٌ تُصَوِّر مَشْهَديْنِ:
الأوَّلّ - الشمس التي افترشتْ سرير البحرِ
والثاني- خُلُوَّ المقعد الخشبيّ من كيس المسافرِ
يَضْجَرُ الذَهَبُ المُنَافقُ من صلابَتِهِ.
وقفتُ على المحطَّة... لا لأنتظر القطارَ ولا عواطفيَ الخبيئةَ في جماليّات شيءٍ ما بعيدٍ، بل لأعرف كيف جُنَّ البحرُ وانكسر المكان كجرّةٍ خزفيّة، ومتى وُلدت وأَين عشت، وكيف هاجرتِ الطيورُ إلى الجنوب أو الشمال.
ألا تزال بَقِيَّتي تكفي لينتصر الخياليُّ الخفيفُ على فَسَاد الواقعيّ؟
ألا تزال غزالتي حبلى؟
كبرنا.
كم كبرنا، والطريق إلى السماء طويلةٌ.
كان القطار يسير كالأفعى الوديعة من بلاد الشام حتى مصر. كان صفيرُهُ يُخْفي ثُغاءَ الماعزِ المبحوحَ عن نَهَمِ الذئاب، كأنه وقتٌ خرافيّ لتدريب الذئاب على صداقتنا. وكان دخانه يعلو على نار الثرى المتفتّحات الطالعات من الطبيعة كالشجيرات/ الحياة بداهةٌ.
وبيوتنا كقلوبنا مفتوحةُ الأبواب.
كُنَّا طيِّبين وسُذَّجاً. قلنا: البلادُ بلادُنا قَلْبُ الخريطة لن تصاب بأيِّ داء خارجيّ، والسماءُ كريمةٌ معنا. ولا نتكلَّم الفصحى معاً إلاَّ لماماً: في مواعيد الصلاة، وفي ليالي القَدْر. حاضِرُنا يُسامِرُنا: "معاً نحيا". وماضينا يُسَلّينا "إذا احْتَجْتُمْ إليَّ رجعتُ". كنا طيّبين وحالمين فلم نر الغَدَ يسرقُ الماضي - طريدَتَهُ، ويرحلُ
كان حاضرنا يُربًّي القمح واليقطين قبل هنيهة، ويرقِّصُ الوادي.
وقفتُ على المحطَّة في الغروب: أَلا تزال هنالك امرأتان في امرأة تُلمِّع فَخْذَها بالبرق؟ أسطورِيَّتان -عَدُوَّتان- صديقتان، وتوأمان على سطوح الريح. واحدةٌ تُغَازِلُني.
وثانيةٌ تُقَاتلُني؟ وهل كَسَرَ الدمُ المسفوكُ سيفاً واحداً لأقول: إنَّ حكايتي الأُولى معي؟ صَدَّقْتُ أُغنيتي القديمةَ كي أُكذِّب واقعي.
كان القطار سفينةً بريَّةً ترسو... وتحملنا إلى مُدُن الخيال الواقعيّةِ كلما احتجنا إلى اللعب البريء مع المصائر. للنوافذ في القطار مَكَانةُ السحريِّ في العاديِّ: يركضُ كل شيء. تركضُ الأشجارُ والأفكارُ والأمواجُ والأبراجُ تركض خلفنا. وروائحُ الليمون تركض. والهواءُ وسائر الأشياء تركضُ، والحنين إلى بعيد غامضٍ، والقلب يركضُ كُلُّ شيء كان مختلفاً ومؤتلفاً.
وقفتُ على المحطّة. كنتُ مهجوراً كغرفة حارس الأوقات في تلك المحطّة. كنتُ منهوباً يُطِلُّ على خزائنه ويسأل نفسه: هل كان ذاك الحقلُ/ ذاك الكِنْزُ لي؟ هل كان هذا اللازورديُّ المبلَّلُ بالرطوبة والندى الَليْليِّ لي؟ هل كُنْتُ في يوم من الأيام تلميذَ الفراشة في الهشاشة والجسارة تارةً، وزميلَها في الاستعارة تارةً؟ هل كُنْتُ في يوم من الأيام لي؟ هل تمرض الذكرى معي وتصاب بالحُمَّى؟
أَرى أَثَري على حجر، فأحسب أَنه قَمَري وأُنشد واقفاً.
طَلَليَّةٌ أُخرى وأُهلك ذكرياتي في الوقوف على المحطّة. لا أُحبُّ الآن هذا العشب، هذا اليابسَ المنسيَّ، هذا اليائسَ العَبَثيَّ، يكتب سيرة النسيان في هذا المكان الزئبقيّ. ولا أُحبُّ الأقحوان على قبور الصالحين. ولا أُحبّ خلاص ذاتي بالمجاز، ولو أرادَتْني الكمنجةُ أن أكون صدىً لذاتي. لا أُحبّ سوى الرجوع إلى حياتي، كي تكون نهايتي سرديَّةً لبدايتي كدويّ أجراسٍ، هنا انكسر الزمان.
وقفتُ في الستين من جرحي. وقفت على المحطّة، لا لأنتظر القطار ولا هُتَاف العائدين من الجنوب إلى السنابل، بل لأحفظ ساحل الزيتون والليمون في تاريخ خارطتي. "أهذا... كل هذا للغياب" وما تبقَّى من فُتات الغيب لي؟ هل مرَّ بي شبحي ولوَّح من بعيد واختفى، وسألتُهُ: هل كُلَّما ابتسم الغريبُ لنا وَحيَّانا ذبحنا للغريب غزالةً؟ وقع الصدى منِّي ككوز صنوبرٍ.
لا لشيء يرشدني إلى نفسي سوى حدسي. تبيض يمامتان شريدتان رسائلَ المنفى على كتفيّ، ثم تحلِّقان على ارتفاع شاحب. وتمرُّ سائحة وتسألني: أَيمكن أَن أُصوِّركَ احتراماً للحقيقة؟
قُلْتُ: ما المعنى؟ فقالت لي: أَيمكن أن أُصَوِّركَ امتداداً للطبيعةِ؟ قُلْتُ: يمكن...
كل شيء ممكنٌ، فعمي مساءً، واتركيني الآن كي أخلو إلى الموت... ونفسي!
للحقيقة، ههنا، وَجْهٌ وحيدٌ واحدٌ ولذا... سأُنشد: أنتَ أنتَ ولو خسرتَ. أنا وأنت اثنان في الماضي: وفي الغد واحد. مرَّ القطار ولم نَكن يَقِظَيْن، فانهضْ كاملاً متفائلاً، لا تنتظر أحداً سواك هنا. هنا سقط القطارُ عن الخريطة عند منتصف الطريق الساحليّ. وشبَّت النيران في قلب الخريطة، ثم أَطفأها الشتاءُ وقد تأخّر. كم كبرنا كم كبرنا قبل عودتنا إلى أسمائنا الأولى!
أَقول لمن يراني عبر منظارٍ على بُرْجٍ الحراسةِ: لا أراكَ، ولا أراكَ.
أرى مكاني كُلَّه حولي.
أَراني في المكان بكُلِّ أَعضائي وأسمائي. أرى شَجَرَ النخيل
يُنَقِّح الفصحى من الأخطاء في لغتي. أرى عادات زهر اللوز في تدريب أُغنيتي على فَرَحٍ فجائيّ. أَرى أَثري وأَتبعه. أَرى ظلِّي وأَرفعه من الوادي بملقط شَعْر كَنْعَانيّةٍ ثَكْلى. أَرى ما لا يُرَى من جاذبيَّة ما يَسيل من الجمال الكامل المتكامل الكُلِّيِّ في أَبد التلال. ولا أَرى قنّاصتي.
ضيفاً على نفسي أَحلُّ.
هُناكَ موتى يوقدون النار حول قبورهم. وهناك أَحياء يُعدُّونَ العشاء لضيفهم. وهناك ما يكفي من الكلمات كي يعلو المجازُ على الوقائع. كُلَّما اغتمَّ المكانُ أَضاءَهُ قمر نُحَاسيّ ووسَّعه. أَنا ضَيْفٌ على نفسي. ستُحْرجُني ضيافتُها وتُبْهجُني، فأشرق بالكلام وتشرقُ الكلمات بالدمع العصيّ. ويشرب الموتى مع الأحياء نعناع الخلود، ولا يطيلون الحديث عن النهاية. لا قطار هناك. لا أَحد سينتظر القطار.
بلادنا قَلْبُ الخريطة. قلبها المثقوبُ مثل القِرْش في سوق الحديد، وآخر الرُكَّاب من إحدى جهات الشام حتى مصر لم يرجع ليدفع أُجْرَةَ القنَّاص عن عَمَلٍ إضافيّ - كما يتوقع الغرباءُ.
كُلُّ ما في الأمر أَني لا أُصدِّق غير حدسي. للبراهين الحوار المستحيلُ. لقصَّة التكوين تأويلُ الفلاسفة الطويلُ. لفكرتي عن عالمي خَلَلٌ يُسَبِّبهُ الرحيلُ. لجرحيَ الأبديّ محكمة بلا قاض حياديّ. يقول لي القضاة المنهكون من الحقيقة: كُلُّ ما في الأمر أَن حوادث الطرقات أَمْرٌ شائع. سقط القطار عن الخريطة واحترقتَ بجمرة الماضي، وهذا لم يكن غَزْواً! ولكني أَقول: وكُلّ ما في الأمر أَني لا أُصدِّق غير حدسي لم أَزل حيّاً.
مازال يسمع خشخشة للمفاتيح في باب تاريخنا الذهبي
محمود درويش.. مسافر زاده القصيدة وحقيبته من جلد أحبابه
دبي: علي الأعرج
كانت القصيدة والسفر.. بطاريات تشحن الشاعر محمود درويش وتقنعه بالبقاء على قيد الحياة، بيد أنها تحرمه من متعة الوصول. والمنطق يفرض نفسه على كل مسافر أن يصل لمرحلة الوصول إلى أي شيء، ولكن درويش في حالة سفر مستمرة لا تنتهي، إلا أن هذا لا يعني أنه يكره الوصول لأنه بطبعه يحب المنفى، ولكن لأنه يدرك أن الوصول معنى مطلق يصعب تحقيقه. وبذلك تجده لا يأبه للوصول بقدر ما يهمه الاستغراق في الطريق والتأمل فيه. وعن ذلك قال ذات قصيدة:
" عناوين للروح خارج هذا المكان
أحب السفر
أحب الرحيل
ولكني لا أحب الوصول "
ودرويش الحزين يزيدنا حزنا عندما نسمع أنه حاول أكثر من مرة أن يستوطن اليابسة ويفرش وطنا مؤقتا، إلا أنه يذوق مر المعاملة:
" يا أحمد العربي
كلما آخيت عاصمة
رمتني بالحقيبة "
ودرويش ذاك الكائن الذي لا يمت للكرة الأرضية بصلة واقعية، قد فقد طعم اليابسة من كثرة سفره لأنه لم يدرك الحقيقة المطلقة " الوطن " بعد:
" هل تحس العصافير أن لها وطنا أو سفرا "
وفجأة.. يدرك أنه آدمي يستحق الحياة في أرض واحدة دون حقائب. ولكنه يعود ويستغفر عن فسق فكرته عندما يدرك أيضاً أن أمثاله لا يجب عليهم أن يستريحوا، لأن راحتهم هي قبرهم. وتعبهم في السفر هي حياتهم:
" تدور بي الأرض حين تضيق بي الأرض
لا بد لي أن أطير وأن ألجم الأرض
لكنني آدمي "
ويستمر السفر. وعنوان شاعرنا ما يزال خارج أي مكان، وفي إحدى رحلاته داخل اللغة العربية، قام درويش بجعل القمر يعمل كمؤشر للغد. ولكن للأسف يكون القمر قد اكتشف أيضاً أن الغد مازال يحمل رحلة الشتات النهائية:
" خبئيني أتى القمر
ليت مرآتنا حجر
وجه أمي مسافر
ويدانا على سفر "
وبما أن سفره لا ينتهي ولا يحب الوصول، فإن هذا ناتج عن حقائق قد اكتشفها في واقعه الوطني وواقع شعبه. فهو منذ أن طرد من أرضه محروم من المنفى أيضاً:
" شارع واضح
وبنت خرجت تشعل القمر
وبلاد بعيدة
وبلاد بلا أثر "
وهذا لا يعني أن درويش يرغب بالسفر الدائم كهواية إنسانية، ولكن الوقائع تفرض عليه الذهاب والإياب دون محطات للوصول. وإن كان الوصول موجودا فإنه يكون هلاميا يبتعد قبل ملامسته:
" وتأتي دائما كالانتحار فيطلبون الحزن أقمشة
وتأتي دائما كالانفجار فيطلبون الوردة خارطة
ستأتي حين تذهب
ثم يبتعد الوصول "
وكان لا بد لدرويش أن يحمل حقيبة تعينه في شؤون السفر، ولكنها كانت حقيبة من نوع آخر:
" وطني حقيبة
من جلد أحبابي
وأندلس الغريبة "
ومع كل الأميال المعنوية التي قطعها درويش في سفره وبيده قلبه وحقيبته فإنه يخاطب تعبه قائلا:
" قطعنا ثلاثين بحرا وستين ساحلا
ومازال في العمر وقت للسفر"
وبما أنه يركب القصيدة ليسافر بها أينما وكيفما شاء، فإنه يحب بين وقت وآخر أن يراقب بمنظوره " العلوي " الواقع العربي ليرى كيف حاله.. فيسمع ما يسمع:
"أسمع خشخشة للمفاتيح في باب تاريخنا الذهبي
وداعا تاريخنا "
ومن الواقع العربي إلى نظيره الذاتي حيث يزور درويش " نفسه " في رحلة إلى الداخل منه حيث لا جمارك ولا حدود وحيث يعمل كمرشد سياحي:
" سوف نخرج منا قليلا
سنخرج منا إلى هامش أبيض نتأمل
معنى الدخول والخروج "
وللفندق في جسد درويش حساسية خاصة يعاني منها حيث " الكذب " متمثل في سرير مؤقت يدعي بأنه " استقرار "، إلا أنه محطة لمحطة أخرى، ووصول غير حقيقي:
" في الفندق
سننسى بقايا كلام على مقعدين
سننسى سجائرنا ثم يأتي سوانا ليكمل سهرتنا والدخان
سننسى قليلا من النوم فوق الوسادة ثم يأتي سوانا ويرقد في نومنا
كيف كنا نصدق أجسادنا في الفنادق "
ومع أن الوداع شرط أساسي قبل السفر، إلا أنه يكره ذلك، لأن الوداع ينفي وجود الوصول الحقيقي لذلك قال:
" ليس قلبي لي لأرميه عليكم تحية "
http://www.alwatan.com.sa/news/images/newsimages/2872/1008.cul.p25.n3.jpg
محمود درويش
أبها، رام الله، باريس، هيوستن: عيسى سوادي، بندر خليل، عضوان الأحمري، عبدالرؤوف أرناؤوط، فابيولا بدوي، الوكالات
توفي الشاعر العربي الفلسطيني محمود درويش في هيوستن الأمريكية أمس، بعد عملية جراحية في القلب.
وذكرت مصادر فلسطينية أن درويش خضع لعملية قلب مفتوح يوم الأربعاء الماضي، مشيرة إلى حدوث مضاعفات بعد العملية.
وتضمنت العملية الأخيرة إصلاح ما يقارب 26 ملم من الشريان "الأبهر الأورطي".
يذكر أن درويش يعد أحد أهم الشعراء الفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن.
توفي مساء أمس الشاعر الفلسطيني محمود درويش في مستشفى بتكساس جنوب الولايات المتحدة، بحسب ما أعلنت متحدثة باسم المستشفى. ويعتبر الراحل أهم الشعراء الفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن، وبين أبرز من ساهموا في تطوير الشعر العربي الحديث.
وكانت الأخبار قد تضاربت وتسارعت على مدار اليوم حول الوضع الصحي للشاعر الذي أجريت له الأربعاء الماضي عملية قلب مفتوح في هيوستن بأمريكا، وذلك بعد أن بثت قناة "العربية" خبرا عن وفاته، ثم تلتها قناة "الجزيرة"، ونقلت عنهما وكالات الأنباء. إلا أن الخبر قد تم نفيه لاحقا، وصار الحديث عن وفاة سريرية، ثم نقلت وكالة الأنباء الفرنسية أن ليزا لاجرون مديرة مستشفى "هرمان تكساس ميديكال سنتر" في تكساس بجنوب الولايات المتحدة حيث يعالج دوريش أكدت أنه لا يزال في وضع حرج بعدما خضع لجراحة في المستشفى المذكور. ونفت لاجرون خبر وفاة الشاعر الذي أوردته أكثر من فضائية عربية.
وكان رئيس تحرير صحيفة "الأيام" الفلسطينية أكرم هنية قد أكد أن وضع الشاعر الفلسطيني "حرج للغاية بعدما حدثت مضاعفات في الشريان الأبهر". وقالت مصادر فلسطينية إن درويش في وضع "مقلق" ويخضع للتنفس الاصطناعي منذ يومين بعد حدوث مضاعفات للعملية التي خضع لها. وسبق لدرويش أن أجرى عمليتين في القلب في العامين 1984 و1998.
وتضمنت العملية الأخيرة إصلاح ما يقارب 26 ملم من الشريان الأبهر "الأورطي" الذي كان قد تعرض لتوسع شديد تجاوز درجة الأمان الطبيعية المقبولة طبيا، حيث قيل إن العملية تكللت بالنجاح في مستشفى "ميموريال هيرمان" الأمريكي في هيوستن بولاية تكساس. وذكرت المصادر المقربة من الشاعر "أن وضعه الصحي أكثر من مقلق، فقد حدثت مضاعفات بعد العملية".
وقبل هذه العملية "خضع درويش لقسطرة في القلب وسلسلة فحوص دقيقة للتأكد من وضعه الصحي الإجمالي واستعداد القلب والكلى خاصة لمثل هذه العملية الأساسية والدقيقة".
حزن ثقافي
قال الشاعر الفلسطيني إبراهيم نصرالله "كيف يمكن أن نرتجل كلاما في مثل هذا الموت؟ وأمام هذا الموت الذي يهزمنا مرة أخرى، بإصابة مباشرة وفي القلب تماما.كما لو أننا نعاني من قلة الأعداء، وقلة القتلة؟!
رحيل محمود درويش، فصل كبير من فصول هذه التراجيديا الفلسطينية أو (الملهاة)، التي لا يصل فيها الحبيب إلى الحبيب، كما قال ذات يوم، إلا شريدا أو شهيدا.
رحيله، كما رحيل أي فنان أو كاتب كبير، يترك مساحة هائلة من الروح الفلسطينية والعربية عارية، فكل قصيدة هي سماء ملجأ لهذه الروح؛ ولذا، نحن اليوم نرزح تحت ثقل خسارة كبرى بهذا الرحيل القاسي، خسارة افتقادنا لمبدع كبير سنفتقد قصائده الجديدة التي هي رفيقة الطريق ورفيقة الحلم لشعب يستحق أن يحيا حياته حرا فوق الأرض لا تحت التراب.
مرة أخرى يهزمنا الموت بكل هذه القسوة، لأنه الأكثر معرفة بأننا كنا دائما عشاق حياة".
من جهته قال الشاعر والكاتب اليمني عبدالعزيز المقالح "كان بالنسبة لي صديقا عزيزاً جمعتنا لقاءات عديدة بدءاً بالقاهرة إلى صنعاء، وبرحيله فقدت الأمة العربية واحداً من أكبر شعرائها في هذه المرحلة. فقد كان بلا أدنى مبالغة شاعر الثورة العربية والقضية على مدى نصف قرن.
مثل درويش لا يغيب، لا يستطيع الموت أن يبعده عن وجدان الجماهير العربية التي أحبّت شعره وتجمعت في الميادين المختلفة لتصغي إليه بوجدانها.. وفي هذه اللحظة المؤلمة والجارحة لا بد للكلمات أن تعاني الارتبـاك وألا تقول ما يستحق أن يقال في مثل هذه المناسبة. عزاءً لفلسطين والأمة العربية..عزاءً للشعر والشعراء".
وقال الشاعر السعودي محمد زايد الألمعي" يمثل محمود درويش بالنسبة لجيلنا، الكثير المتجاوز لأطروحة الحداثة النظرية، والداخل في عمق التجربة المتشبث بالكثير من أشكال البلاغة التقليدية، والمتجاوز بها إلى آفاق أكثر حداثة مما كان يُنظر له على مستوى القصيدة العربية الحديثة، بحيث استطاع إعادة استمرار الغنائية حتى في أعلى أشكالها بكائية أدهشت كل من اعتقد أن هذه الغنائية استنفدت أدواتها مع القصيدة التقليدية.
أيضاً درويش استطاع بهذا من جانب آخر كونه قادماً من عمق القضية الفلسطينية، فاستطاع أن يطوق الشعور العربي وجدانياً، بحيث كان يُستقبل كواحدٍ من نجوم السينما بكل بساطة.
محمود درويش ليس كذلك فقط، فهو مفكر وصاحب رؤية، وكنا نعتقد أنه سياسي ولكنه يفكر في السياسة وليس سياسيا، ولذلك سرعان ما نفرَ من منظومة المؤسسة السياسية الفلسطينية.
درويش في ذاكرتنا هو الكرمل والسجال والثنائية مع سميح قاسم. وهو الدهشة التي كنا ننتظرها في العام مرّة ومرّات.. لنهرب بشكل أو بآخر مما اجترحه بذكاء في القصيدة ونكتب كشعراء قصائدنا بعيداً عن ظله العالي.
ومن فرنسا قال مدير معهد الفنون والآداب العربية في باريس الدكتور أسامة خليل "محمود درويش ليس كما يظن البعض من أنه شاعر شهير داخل الوطن العربي، هذا ليس صحيحا على الإطلاق، فلهذا الشاعر حضور كبير لدى الغرب سواء من خلال دواوينه المترجمة إلى الفرنسية، أو من خلال حضور قصائده في المناسبات الوطنية، وقد لمست ذلك بنفسي. فخلال شهري يوليو وأغسطس من العام 2006، تم تخصيصهما داخل المعهد لأمسيات متواصلة من أجل التضامن مع لبنان في محنتها في ذلك الوقت، وبطبيعة الحال فلسطين كانت حاضرة على المشهد طوال تلك الفترة، وقد كان البطل الرئيسي على مدى الشهرين هو شعر محمود درويش، الذي كانت قصائده تلقى بشكل متواصل باللغات الثلاث العربية، والفرنسية، والإسبانية، وكانت تلقى حضورا وإقبالا وتجاوبا من المتلقي الفرنسي بلغ حد أن القاعة كانت تضيق بالحضور، بل أن بعض الفرنسيين كانوا يلجؤون إلى المنزل الملاصق للمعهد، فقط من أجل الاستماع إلى قصائد درويش. مضحين برؤية الأفلام التي كانت تعرض حول مشاهد حية لقصف لبنان، وكانت هامة جدا بالنسبة للجمهور الفرنسي، ولكن لكثرة العدد، كانوا يكتفون بالاستماع، من خلف الجدران، لكلمات هذا الشاعر الذي جسد الجرح العربي والفلسطيني كما لم يجسده أحد".
الشاعر السعودي علي الدميني بعد أن التزم الصمت قال لـ"الوطن": نحّى الغياب أحد أعظم شعراء العربية، وشعراء العصر، أخذ الغياب ظلاله الحية، وغادر في لحظة مباغتة تشبه طعنة الكلمات الأخيرة، لكن "محمود درويش" سيبقى حيا بيننا "وفي مكان ما" ودائما.. التجربة الأكثر فرادة في زمن القصيدة المعاصرة، العشق الأنيق للمعنى البعيد والبسيط.. في المعنى الغامض والمدهش.. الغنائي حتى الجذور، والمتأمل حتى حدود الفيض والحكمة والـتأمل الشفيف.
حياته
ولد محمود درويش في عام 1941 في قرية "البروة" التي دمرت عام 1948. ليهاجر مع عائلته إلى لبنان قبل أن تعود العائلة وتعيش في الجليل. وأجبر درويش على مغادرة البلاد بعد أن اعتقل عدة مرات ثم عاد بعد التوقيع على اتفاقيات السلام المؤقتة.
درويش، بعد إنهائه تعليمه الثانوي، كانت حياته عبارة عن كتابة للشعر والمقالات في صحافة الحزب الشيوعي الإسرائيلي، مثل "الاتحاد" و"الجديد" التي أصبح فيما بعد مشرفا على تحريرها، كما اشترك في تحرير جريدة الفجر.
لم يسلم درويش من مضايقات الشرطة، حيث فرضت عليه الإقامة الجبرية أكثر من مرّة منذ العام 1961 بتهم تتعلق بأقواله ونشاطاته السياسية، حتى عام 1972 حيث نزح إلى مصر وانتقل بعدها إلى لبنان حيث عمل في مؤسسات النشر والدراسات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقد استقال محمود درويش من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير احتجاجاً على اتفاق أوسلو.
شغل منصب رئيس رابطة الكتاب والصحفيين الفلسطينيين وحرر مجلة الكرمل، وأقام في باريس قبل عودته إلى وطنه، حيث إنه دخل إلى فلسطين بتصريح لزيارة أمه، وفي فترة وجوده هناك قدم بعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي العرب واليهود اقتراحا بالسماح له بالبقاء في وطنه، وقد سمح له بذلك.
ويعتبر درويش واحدا من أهم الشعراء الفلسطينيين المعاصرين الذين امتزج شعرهم بحب الوطن والحبيبة وترجمت أعماله إلى ما يقرب من 22 لغة وحصل على العديد من الجوائز العالمية. وهو من أهم الشعراء المعاصرين الذين ارتبطت اسماؤهم بشعر الثورة والوطن. كما يعتبر أحد أبرز من ساهموا بتطوير الشعر العربي الحديث واستخدام الرمزية كأداةٍ لصناعته. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي تم إعلانها في الجزائر.
الجوائز
-جائزة لوتس عام 1969.
-جائزة البحر المتوسط عام 1980.
-درع الثورة الفلسطينية عام 1981.
-لوحة أوروبا للشعر عام 1981.
-جائزة ابن سينا في الاتحاد السوفيتي عام 1982.
-جائزة لينين في الاتحاد السوفييتي عام 1983.
آخر نصوصه بمناسبة الذكرى الـ60 للنكبة
على محطة قطار سقط عن الخريطة
عُشْبٌ، هواء يابسٌ، شَوْكٌ، وصَبَّارٌ على سِكَك الحديد.
هناك شَكْلُ الشيء في عَبَثيَّة اللاّ شكل يمضغ ظلَّهُ..
عَدَمٌ هناك مُوَثَّقٌ.. ومُطَوَّقٌ بنقيضهِ ويمامتان تُحَلِّقانِ على سَقيفة غرفة
مهجورة عند المحطّةِ والمحطّةُ مثل وَشْم ذاب في جسد المكانِ هناك أَيضاً سَرْوتان نحيلتان كإبرتين طويلتينِ تُطَرِّزان سحابةً صفراءَ ليمونيَّةً
وهناك سائحةٌ تُصَوِّر مَشْهَديْنِ:
الأوَّلّ - الشمس التي افترشتْ سرير البحرِ
والثاني- خُلُوَّ المقعد الخشبيّ من كيس المسافرِ
يَضْجَرُ الذَهَبُ المُنَافقُ من صلابَتِهِ.
وقفتُ على المحطَّة... لا لأنتظر القطارَ ولا عواطفيَ الخبيئةَ في جماليّات شيءٍ ما بعيدٍ، بل لأعرف كيف جُنَّ البحرُ وانكسر المكان كجرّةٍ خزفيّة، ومتى وُلدت وأَين عشت، وكيف هاجرتِ الطيورُ إلى الجنوب أو الشمال.
ألا تزال بَقِيَّتي تكفي لينتصر الخياليُّ الخفيفُ على فَسَاد الواقعيّ؟
ألا تزال غزالتي حبلى؟
كبرنا.
كم كبرنا، والطريق إلى السماء طويلةٌ.
كان القطار يسير كالأفعى الوديعة من بلاد الشام حتى مصر. كان صفيرُهُ يُخْفي ثُغاءَ الماعزِ المبحوحَ عن نَهَمِ الذئاب، كأنه وقتٌ خرافيّ لتدريب الذئاب على صداقتنا. وكان دخانه يعلو على نار الثرى المتفتّحات الطالعات من الطبيعة كالشجيرات/ الحياة بداهةٌ.
وبيوتنا كقلوبنا مفتوحةُ الأبواب.
كُنَّا طيِّبين وسُذَّجاً. قلنا: البلادُ بلادُنا قَلْبُ الخريطة لن تصاب بأيِّ داء خارجيّ، والسماءُ كريمةٌ معنا. ولا نتكلَّم الفصحى معاً إلاَّ لماماً: في مواعيد الصلاة، وفي ليالي القَدْر. حاضِرُنا يُسامِرُنا: "معاً نحيا". وماضينا يُسَلّينا "إذا احْتَجْتُمْ إليَّ رجعتُ". كنا طيّبين وحالمين فلم نر الغَدَ يسرقُ الماضي - طريدَتَهُ، ويرحلُ
كان حاضرنا يُربًّي القمح واليقطين قبل هنيهة، ويرقِّصُ الوادي.
وقفتُ على المحطَّة في الغروب: أَلا تزال هنالك امرأتان في امرأة تُلمِّع فَخْذَها بالبرق؟ أسطورِيَّتان -عَدُوَّتان- صديقتان، وتوأمان على سطوح الريح. واحدةٌ تُغَازِلُني.
وثانيةٌ تُقَاتلُني؟ وهل كَسَرَ الدمُ المسفوكُ سيفاً واحداً لأقول: إنَّ حكايتي الأُولى معي؟ صَدَّقْتُ أُغنيتي القديمةَ كي أُكذِّب واقعي.
كان القطار سفينةً بريَّةً ترسو... وتحملنا إلى مُدُن الخيال الواقعيّةِ كلما احتجنا إلى اللعب البريء مع المصائر. للنوافذ في القطار مَكَانةُ السحريِّ في العاديِّ: يركضُ كل شيء. تركضُ الأشجارُ والأفكارُ والأمواجُ والأبراجُ تركض خلفنا. وروائحُ الليمون تركض. والهواءُ وسائر الأشياء تركضُ، والحنين إلى بعيد غامضٍ، والقلب يركضُ كُلُّ شيء كان مختلفاً ومؤتلفاً.
وقفتُ على المحطّة. كنتُ مهجوراً كغرفة حارس الأوقات في تلك المحطّة. كنتُ منهوباً يُطِلُّ على خزائنه ويسأل نفسه: هل كان ذاك الحقلُ/ ذاك الكِنْزُ لي؟ هل كان هذا اللازورديُّ المبلَّلُ بالرطوبة والندى الَليْليِّ لي؟ هل كُنْتُ في يوم من الأيام تلميذَ الفراشة في الهشاشة والجسارة تارةً، وزميلَها في الاستعارة تارةً؟ هل كُنْتُ في يوم من الأيام لي؟ هل تمرض الذكرى معي وتصاب بالحُمَّى؟
أَرى أَثَري على حجر، فأحسب أَنه قَمَري وأُنشد واقفاً.
طَلَليَّةٌ أُخرى وأُهلك ذكرياتي في الوقوف على المحطّة. لا أُحبُّ الآن هذا العشب، هذا اليابسَ المنسيَّ، هذا اليائسَ العَبَثيَّ، يكتب سيرة النسيان في هذا المكان الزئبقيّ. ولا أُحبُّ الأقحوان على قبور الصالحين. ولا أُحبّ خلاص ذاتي بالمجاز، ولو أرادَتْني الكمنجةُ أن أكون صدىً لذاتي. لا أُحبّ سوى الرجوع إلى حياتي، كي تكون نهايتي سرديَّةً لبدايتي كدويّ أجراسٍ، هنا انكسر الزمان.
وقفتُ في الستين من جرحي. وقفت على المحطّة، لا لأنتظر القطار ولا هُتَاف العائدين من الجنوب إلى السنابل، بل لأحفظ ساحل الزيتون والليمون في تاريخ خارطتي. "أهذا... كل هذا للغياب" وما تبقَّى من فُتات الغيب لي؟ هل مرَّ بي شبحي ولوَّح من بعيد واختفى، وسألتُهُ: هل كُلَّما ابتسم الغريبُ لنا وَحيَّانا ذبحنا للغريب غزالةً؟ وقع الصدى منِّي ككوز صنوبرٍ.
لا لشيء يرشدني إلى نفسي سوى حدسي. تبيض يمامتان شريدتان رسائلَ المنفى على كتفيّ، ثم تحلِّقان على ارتفاع شاحب. وتمرُّ سائحة وتسألني: أَيمكن أَن أُصوِّركَ احتراماً للحقيقة؟
قُلْتُ: ما المعنى؟ فقالت لي: أَيمكن أن أُصَوِّركَ امتداداً للطبيعةِ؟ قُلْتُ: يمكن...
كل شيء ممكنٌ، فعمي مساءً، واتركيني الآن كي أخلو إلى الموت... ونفسي!
للحقيقة، ههنا، وَجْهٌ وحيدٌ واحدٌ ولذا... سأُنشد: أنتَ أنتَ ولو خسرتَ. أنا وأنت اثنان في الماضي: وفي الغد واحد. مرَّ القطار ولم نَكن يَقِظَيْن، فانهضْ كاملاً متفائلاً، لا تنتظر أحداً سواك هنا. هنا سقط القطارُ عن الخريطة عند منتصف الطريق الساحليّ. وشبَّت النيران في قلب الخريطة، ثم أَطفأها الشتاءُ وقد تأخّر. كم كبرنا كم كبرنا قبل عودتنا إلى أسمائنا الأولى!
أَقول لمن يراني عبر منظارٍ على بُرْجٍ الحراسةِ: لا أراكَ، ولا أراكَ.
أرى مكاني كُلَّه حولي.
أَراني في المكان بكُلِّ أَعضائي وأسمائي. أرى شَجَرَ النخيل
يُنَقِّح الفصحى من الأخطاء في لغتي. أرى عادات زهر اللوز في تدريب أُغنيتي على فَرَحٍ فجائيّ. أَرى أَثري وأَتبعه. أَرى ظلِّي وأَرفعه من الوادي بملقط شَعْر كَنْعَانيّةٍ ثَكْلى. أَرى ما لا يُرَى من جاذبيَّة ما يَسيل من الجمال الكامل المتكامل الكُلِّيِّ في أَبد التلال. ولا أَرى قنّاصتي.
ضيفاً على نفسي أَحلُّ.
هُناكَ موتى يوقدون النار حول قبورهم. وهناك أَحياء يُعدُّونَ العشاء لضيفهم. وهناك ما يكفي من الكلمات كي يعلو المجازُ على الوقائع. كُلَّما اغتمَّ المكانُ أَضاءَهُ قمر نُحَاسيّ ووسَّعه. أَنا ضَيْفٌ على نفسي. ستُحْرجُني ضيافتُها وتُبْهجُني، فأشرق بالكلام وتشرقُ الكلمات بالدمع العصيّ. ويشرب الموتى مع الأحياء نعناع الخلود، ولا يطيلون الحديث عن النهاية. لا قطار هناك. لا أَحد سينتظر القطار.
بلادنا قَلْبُ الخريطة. قلبها المثقوبُ مثل القِرْش في سوق الحديد، وآخر الرُكَّاب من إحدى جهات الشام حتى مصر لم يرجع ليدفع أُجْرَةَ القنَّاص عن عَمَلٍ إضافيّ - كما يتوقع الغرباءُ.
كُلُّ ما في الأمر أَني لا أُصدِّق غير حدسي. للبراهين الحوار المستحيلُ. لقصَّة التكوين تأويلُ الفلاسفة الطويلُ. لفكرتي عن عالمي خَلَلٌ يُسَبِّبهُ الرحيلُ. لجرحيَ الأبديّ محكمة بلا قاض حياديّ. يقول لي القضاة المنهكون من الحقيقة: كُلُّ ما في الأمر أَن حوادث الطرقات أَمْرٌ شائع. سقط القطار عن الخريطة واحترقتَ بجمرة الماضي، وهذا لم يكن غَزْواً! ولكني أَقول: وكُلّ ما في الأمر أَني لا أُصدِّق غير حدسي لم أَزل حيّاً.
مازال يسمع خشخشة للمفاتيح في باب تاريخنا الذهبي
محمود درويش.. مسافر زاده القصيدة وحقيبته من جلد أحبابه
دبي: علي الأعرج
كانت القصيدة والسفر.. بطاريات تشحن الشاعر محمود درويش وتقنعه بالبقاء على قيد الحياة، بيد أنها تحرمه من متعة الوصول. والمنطق يفرض نفسه على كل مسافر أن يصل لمرحلة الوصول إلى أي شيء، ولكن درويش في حالة سفر مستمرة لا تنتهي، إلا أن هذا لا يعني أنه يكره الوصول لأنه بطبعه يحب المنفى، ولكن لأنه يدرك أن الوصول معنى مطلق يصعب تحقيقه. وبذلك تجده لا يأبه للوصول بقدر ما يهمه الاستغراق في الطريق والتأمل فيه. وعن ذلك قال ذات قصيدة:
" عناوين للروح خارج هذا المكان
أحب السفر
أحب الرحيل
ولكني لا أحب الوصول "
ودرويش الحزين يزيدنا حزنا عندما نسمع أنه حاول أكثر من مرة أن يستوطن اليابسة ويفرش وطنا مؤقتا، إلا أنه يذوق مر المعاملة:
" يا أحمد العربي
كلما آخيت عاصمة
رمتني بالحقيبة "
ودرويش ذاك الكائن الذي لا يمت للكرة الأرضية بصلة واقعية، قد فقد طعم اليابسة من كثرة سفره لأنه لم يدرك الحقيقة المطلقة " الوطن " بعد:
" هل تحس العصافير أن لها وطنا أو سفرا "
وفجأة.. يدرك أنه آدمي يستحق الحياة في أرض واحدة دون حقائب. ولكنه يعود ويستغفر عن فسق فكرته عندما يدرك أيضاً أن أمثاله لا يجب عليهم أن يستريحوا، لأن راحتهم هي قبرهم. وتعبهم في السفر هي حياتهم:
" تدور بي الأرض حين تضيق بي الأرض
لا بد لي أن أطير وأن ألجم الأرض
لكنني آدمي "
ويستمر السفر. وعنوان شاعرنا ما يزال خارج أي مكان، وفي إحدى رحلاته داخل اللغة العربية، قام درويش بجعل القمر يعمل كمؤشر للغد. ولكن للأسف يكون القمر قد اكتشف أيضاً أن الغد مازال يحمل رحلة الشتات النهائية:
" خبئيني أتى القمر
ليت مرآتنا حجر
وجه أمي مسافر
ويدانا على سفر "
وبما أن سفره لا ينتهي ولا يحب الوصول، فإن هذا ناتج عن حقائق قد اكتشفها في واقعه الوطني وواقع شعبه. فهو منذ أن طرد من أرضه محروم من المنفى أيضاً:
" شارع واضح
وبنت خرجت تشعل القمر
وبلاد بعيدة
وبلاد بلا أثر "
وهذا لا يعني أن درويش يرغب بالسفر الدائم كهواية إنسانية، ولكن الوقائع تفرض عليه الذهاب والإياب دون محطات للوصول. وإن كان الوصول موجودا فإنه يكون هلاميا يبتعد قبل ملامسته:
" وتأتي دائما كالانتحار فيطلبون الحزن أقمشة
وتأتي دائما كالانفجار فيطلبون الوردة خارطة
ستأتي حين تذهب
ثم يبتعد الوصول "
وكان لا بد لدرويش أن يحمل حقيبة تعينه في شؤون السفر، ولكنها كانت حقيبة من نوع آخر:
" وطني حقيبة
من جلد أحبابي
وأندلس الغريبة "
ومع كل الأميال المعنوية التي قطعها درويش في سفره وبيده قلبه وحقيبته فإنه يخاطب تعبه قائلا:
" قطعنا ثلاثين بحرا وستين ساحلا
ومازال في العمر وقت للسفر"
وبما أنه يركب القصيدة ليسافر بها أينما وكيفما شاء، فإنه يحب بين وقت وآخر أن يراقب بمنظوره " العلوي " الواقع العربي ليرى كيف حاله.. فيسمع ما يسمع:
"أسمع خشخشة للمفاتيح في باب تاريخنا الذهبي
وداعا تاريخنا "
ومن الواقع العربي إلى نظيره الذاتي حيث يزور درويش " نفسه " في رحلة إلى الداخل منه حيث لا جمارك ولا حدود وحيث يعمل كمرشد سياحي:
" سوف نخرج منا قليلا
سنخرج منا إلى هامش أبيض نتأمل
معنى الدخول والخروج "
وللفندق في جسد درويش حساسية خاصة يعاني منها حيث " الكذب " متمثل في سرير مؤقت يدعي بأنه " استقرار "، إلا أنه محطة لمحطة أخرى، ووصول غير حقيقي:
" في الفندق
سننسى بقايا كلام على مقعدين
سننسى سجائرنا ثم يأتي سوانا ليكمل سهرتنا والدخان
سننسى قليلا من النوم فوق الوسادة ثم يأتي سوانا ويرقد في نومنا
كيف كنا نصدق أجسادنا في الفنادق "
ومع أن الوداع شرط أساسي قبل السفر، إلا أنه يكره ذلك، لأن الوداع ينفي وجود الوصول الحقيقي لذلك قال:
" ليس قلبي لي لأرميه عليكم تحية "