طائر الجوف
11-08-2007, 07:51 AM
تابع
وفي عصر الرسول صلى الله عليه وسلم (1-11هـ) نجد أن قبائل دُومة الجندل كانت ضمن من عرض الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه ودعوته عليها قبل الهجرة في مواسم الحج غير أنهم أبوا نصرته خوفاً منهم على تعطل مصالحهم مع قريش العدو اللدود للرسول صلى الله عليه وسلم . وقد تعرضت دُومة الجندل لثلاث حملات عسكرية في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ، الأولى: غزوة قادها الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه في الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول للسنة الخامسة من الهجرة ، والتي كان نتيجتها هروب أهل دُومة الجندل لما سمعوا بها إلى صحراء دُومة الجندل ، وأسفرت عن إسلام رجل من أهل دُومة الجندل . أما الثانية: فكانت سرية وجهها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى دُومة الجندل بقيادة عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه في شهر شعبان من السنة السادسة من الهجرة ، والتي أسفرت عن إسلام كبير أهل دُومة الجندل - في ذلك الوقت - الأصبغ بن عمرو الكلبي وزواج عبدالرحمن بن عوف من ابنته تماضر . وكانت الثالثة: عبارة عن سرية انطلقت من غزوة ، ففي السنة التاسعة من الهجرة غزا الرسول صلى الله عليه وسلم تبوكاً ، وخلال تلك الغزوة أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم خالداً بن الوليد رضي الله عنه وقال له: إذهب إلى ملك دُومة الجندل إنك ستجده يصطاد البقر (المها ) ، وفعلاً جاء بالأكيدر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فعقد معه الرسول صلى الله عليه وسلم عهداً ، وذلك بعدما قام خالد بن الوليد بتحطيم صنم دُومة الجندل (وَد ) إيذاناً بانتهاء الوثنية فيها .
وكان أهل دُومة الجندل ضمن من وفد وقدم إلى المدينة في السنة التاسعة من الهجرة لتبايع الرسول صلى الله عليه وسلم على الولاء والإخلاص ، وفي مقدمتهم وفد قبيلة بني كلب ، والسكون من كندة .
وفي عصر الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم (11-40هـ) كانت حملة عياض بن غنم وخالد بن الوليد رضي الله عنهما على دُومة الجندل في السنة الثانية عشرة من الهجرة ، والتي انتهت بمقتل الأكيدر بن عبدالملك – حاكم دُومة الجندل – وسقوط الحكم السكوني فيها .
وفي دُومة الجندل مسجد قديم يقال له: (مسجد عمر) ينسب بناؤه إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حيث يقال: إنه بناه عندما كان عائداً من بيت المقدس في السنة الخامسة عشر من الهجرة .
وفي دُومة الجندل – أيضاً – وقع التحكيم المشهور بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في سنة سبع وثلاثين من الهجرة ؛ وذلك لأن دُومة الجندل وأهلها لزموا الحياد في صراع علي مع معاوية رضي الله عنهما حتى كان عام الجماعة سنة (41هـ) فبايعت دُومة الجندل ضمن من بايع من المسلمين لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه خليفةً للمسلمين .
وفي عصر الدولة الأموية (41-132هـ) كان لقبائل دُومة الجندل – خصوصاً بنو كلب والسكون من كندة – أثر في الحياة السياسية لذلك العصر حتى أطلق عليه بعض المؤرخين: عصر عزِّ بني كلب ، فساهمت في قمع العديد من الحركات والثورات الخارجة على بني أمية ، وكان لها الأثر الواضح في ضبط بعض الجوانب الإدارية للدولة الأموية ، كما أسهمت تلك القبائل في إثراء حركة الجهاد والفتح الإسلامي في ذلك العصر ، خاصة فيما يتعلق بحروب المسلمين مع الدولة البيزنطية ، وذلك بحكم قِدَم معرفة أهل دُومة الجندل بالدولة البيزنطية .
وفي العصر الأموي – أيضاً – هاجر أغلب سكان دُومة الجندل إلى بلاد الشام بما فيها: (الأردن ، دمشق ، فلسطين ) بحكم مصاهرتهم لخلفاء الدولة الأموية ولأسباب أخرى لايتسع المجال لذكرها هنا.
ولما سقطت الدولة الأموية على يد بني العباس سنة (132هـ) عاد أغلب أهلها الذين هجروها إليها بسبب الاضطهاد الذي منو به على يد خلفاء الدولة العباسية (132-656هـ) .
وفي شهر ربيع الأول سنة (351هـ) مرَّ المتنبي الشاعر المعروف بدُومة الجندل خلال هروبه من مصر عندما كان متجهاً نحو العراق فذكر في قصائده بعض المدن والمواضع الواقعة ضمن الحدود الإدارية لدُومة الجندل ، والتي منها:
طُردت من مصر أيديها بأرجلها حتى مرقن بنا من جوشٍ والعلم
وقال أيضاً:
وجابت بُسيطة جوب الرَّداء بين النـَّعَـام وبيــن المهـــا
إلى عُقدة الجوف حتى شَفَت بماء الجِرَاوِيَ بعض الصدا
ولاحَ لها صـورٌ والصَّبـَــاح ولاحَ الشَّغـور لها والضَّحَا
وقال أيضاً:
ُبسيطة مهلاً سُقيت القطارا تركــت عيــون عبيــدي حيارا
فظنوا النعام عليك النخيل وظنـوا الصـوار عليــك المنــارا
فأمسك صحبي بأكوارهم وقد قصد الضحك منهم وجارا
وبعد الزحف المغولي على بغداد وإسقاطهم للدولة العباسية سنة (656هـ) أصبحت دُومة الجندل ضمن منطقة الحياد التي كانت بين الدولة المغولية التي نشأة في العراق بعد سقوط بغداد وبين دولة المماليك (658-923هـ) التي استطاعت صد الزحف المغولي على البلاد الإسلامية في معركة عين جالوت سنة (658هـ) .
وبقيام دولة المماليك – التي اتخذت من القاهرة في مصر عاصمة لدولتها – زاد التهميش لدُومة الجندل كما هو حاصل لبقية مناطق الجزيرة العربية عدا مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وذلك لما بقي لهما من أهمية دينية تتمثل في نيل شرف الخطبة على المنابر خاصة في مواسم الحج ، لا سيما وأن خلفاء الدولة المملوكية عبارة عن مماليك عبيد بحاجة إلى مايدعم سلطتهم الشرعية .
ورغم كل هذا فإن دُومة الجندل حافظت على أهميتها كعاصمة لمنطقة شمالي الجزيرة العربية ، وذلك لما أضفاه لها موقعها الاسترتيجي المتوسط فيما بين بلاد العراق وبلاد الشام وبين بلاد الحجاز فكانت تمر بها أهم الطرق التجارية وطرق الحج العراقية والشامية خلال تلك الفترة الزمنية .
وظلت دُومة الجندل عاصمة لمنطقة واسعة النطاق منذ ما قبل الإسلام وحتى دخلت هذه المدينة في حقب التاريخ الحديث ، وفي أوآخر القرن الثالث عشر الهجري دخلت هذه المدينة في حكم الدولة العثمانية (923-1343هـ) ، ولكن بعد الضعف الذي ساد خلفاءها المتأخرين بدأت الأقاليم تأخذ استقلاليتها ، فكان أن وقعت منطقة دُومة الجندل بقراها وهجرها بين فكي كمَّاشة مزقتها كل ممزق ، وجعلت منها نتفاً صغيرة وقرىً مبعثرة لا رابط بينها سوى الصراعات الدموية والعرقية التي سادت المنطقة بشكل عام . ذلك أن حكام حائل (آل علي ، ومن بعدهم آل رشيد) أرادوا بسط نفوذهم على المنطقة عموماً فشنوا الكثير من الحملات العسكرية عليها ، وفعلاً تم لهم بعض ما أرادوا ، فاستطاعوا ضم مدينة (دُومة الجندل وسكاكا وقارا) إلى نفوذهم .
وكذا أراد (آل الشعلان) في قرية كاف ووادي السرحان بسط نفوذهم على المنطقة ، فكان أن قاموا ببعض الحملات العسكرية عليها وسيطروا على الأجزاء الشمالية لدُومة الجندل ، وأصبحت دُومة الجندل تعيش صراعات بين آل رشيد وآل الشعلان ، وتستقر هذه الحالة في بعض الأوقات: كفترة ضم الدولة السعودية الأولى لها (1208-1233هـ) والدولة السعودية الثانية (1240-1309هـ) وفيما عدا ذلك تعود دُومة الجندل لتكون مسرحاً لتلك الصراعات .
وفي ظل التاريخ السعودي شهدت دُومة الجندل غارة عليها من قِبَل جيش الدولة السعودية الأولى في عام (1206هـ) بقيادة أمير جبل شمر في ذلك الوقت محمد بن عبدالمحسن بن علي آل علي بقصد ضم دُومة الجندل ، وتقابلت تلك الحملة مع مجموعة من قبيلة الشرارات في دومة الجندل وحصل بينهم قتال عنيف ، غير أن هذه الحملة لم تتمكن من تحقيق مطالبها .
ولما لم تحقق الحملة الأولى أهدافها المنشودة فإن القيادة السعودية قررت إعادة الكرَّة ، وذلك عن طريق إرسال حملة أخرى في عام (1208هـ) بقيادة محمد بن معيقل ، وفعلاً تمكنت الدولة السعودية من إدخال دُومة الجندل وسكانها البادية والحاضرة إلى حكمها .
وبسقوط الدولة السعودية الأولى سنة (1233هـ) عادت دُومة الجندل إلى صراعاتها السابقة حتى سنة (1240هـ) وهي السنة التي دخلت فيها دُومة الجندل بقراها وهجرها إلى حكم الدولة السعودية الثانية في عهد الإمام تركي بن عبدالله رحمه الله ، واستمرت على ذلك إلى مابعد وفاة الإمام فيصل بن تركي رحمه الله سنة (1282هـ) ، حيث بدأت الصراعات الأهلية بين أبنائه ، فكان نهايتها سقوط الدولة السعودية الثانية سنة (1309هـ) على يد ابن رشيد حاكم جبل شمر في ذلك الوقت ، فعادت دُومة الجندل إلى تلك الاضطرابات السابقة والصراع الرشيدي الشعلاني حتى سنة (1341هـ) حين دخلت دُومة الجندل بمدنها وقراها وهجرها في طاعة الملك عبدالعزيز رحمه الله ، عدا منطقة وادي السرحان الذي كان – في ذلك الوقت – منفصلاً عن نفوذ دُومة الجندل ، وذلك عندما استقل به الشعلان في صراعاتهم مع آل رشيد ، وجعلوا من قرية كاف مركزاً لحكمهم .
أما وادي السرحان فإنه لم يدخل في حكم الملك عبدالعزيز إلا سنة (1344هـ) لأسباب سياسية تتعلق بمشكلات ترسيم الحدود مع حكومة شرق الأردن .
وظلت دُومة الجندل رغم قلة نفوذها في التاريخ المعاصر عمَّا كان في السابق : ظلت هي العاصمة الإدارية لمنطقة الجوف حتى سنة (1351هـ) حيث تم انتقال مقرَّ الإمارة من دُومة الجندل إلى مدينة سكاكا لأسباب إدارية بالدرجة الأولى . وبذلك تحولت دُومة الجندل من مركز القيادة إلى مركز التبعيَّة في المنطقة ، ولكنها رغم كل هذا لاتزال تحتفظ بعمقها التاريخي ودورها الريادي الذي سجله لها التاريخ بكل حقبه ؛ إذن فلن تضيرها تلك التغيرات الإدارية الطارئة لكونها تؤمن أنها أدت دوراً بارزاً في هذه المنطقة ، ولفترة طويلة .
ودُومة الجندل هي اليوم احدى محافظات منطقة الجوف في شمالي المملكة العربية السعودية ، وتقع بقرب الدرجة 49َ/39ْ طولاً شرقياً و 52َ/29ْ عرضاً شمالياً .
وحسب نظام المناطق في المملكة العربية السعودية فإن منطقة الجوف احدى مناطق المملكة العربية السعودية ، وتتكون من مدينة سكاكا مقر الإمارة والعاصمة الإدارية للمنطقة ، ومن محافظة القريات فئة (أ) ، ومحافظة دُومة الجندل فئة (ب) ، ومن حوالي مئتي مركز وهجرة .
وتشتهر دُومة الجندل بكثرة النخيل ، وإنتاج التمر بأنواع مختلفة ، وعذوبة المياه ، وكثرة الآثار فيها .
ومناخها بصفة عامة صحراوي قاري شديد البرودة شتاءً وحار جاف صيفاً .
والله الموفق وهو يهدي السبيل ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وفي عصر الرسول صلى الله عليه وسلم (1-11هـ) نجد أن قبائل دُومة الجندل كانت ضمن من عرض الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه ودعوته عليها قبل الهجرة في مواسم الحج غير أنهم أبوا نصرته خوفاً منهم على تعطل مصالحهم مع قريش العدو اللدود للرسول صلى الله عليه وسلم . وقد تعرضت دُومة الجندل لثلاث حملات عسكرية في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ، الأولى: غزوة قادها الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه في الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول للسنة الخامسة من الهجرة ، والتي كان نتيجتها هروب أهل دُومة الجندل لما سمعوا بها إلى صحراء دُومة الجندل ، وأسفرت عن إسلام رجل من أهل دُومة الجندل . أما الثانية: فكانت سرية وجهها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى دُومة الجندل بقيادة عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه في شهر شعبان من السنة السادسة من الهجرة ، والتي أسفرت عن إسلام كبير أهل دُومة الجندل - في ذلك الوقت - الأصبغ بن عمرو الكلبي وزواج عبدالرحمن بن عوف من ابنته تماضر . وكانت الثالثة: عبارة عن سرية انطلقت من غزوة ، ففي السنة التاسعة من الهجرة غزا الرسول صلى الله عليه وسلم تبوكاً ، وخلال تلك الغزوة أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم خالداً بن الوليد رضي الله عنه وقال له: إذهب إلى ملك دُومة الجندل إنك ستجده يصطاد البقر (المها ) ، وفعلاً جاء بالأكيدر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فعقد معه الرسول صلى الله عليه وسلم عهداً ، وذلك بعدما قام خالد بن الوليد بتحطيم صنم دُومة الجندل (وَد ) إيذاناً بانتهاء الوثنية فيها .
وكان أهل دُومة الجندل ضمن من وفد وقدم إلى المدينة في السنة التاسعة من الهجرة لتبايع الرسول صلى الله عليه وسلم على الولاء والإخلاص ، وفي مقدمتهم وفد قبيلة بني كلب ، والسكون من كندة .
وفي عصر الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم (11-40هـ) كانت حملة عياض بن غنم وخالد بن الوليد رضي الله عنهما على دُومة الجندل في السنة الثانية عشرة من الهجرة ، والتي انتهت بمقتل الأكيدر بن عبدالملك – حاكم دُومة الجندل – وسقوط الحكم السكوني فيها .
وفي دُومة الجندل مسجد قديم يقال له: (مسجد عمر) ينسب بناؤه إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حيث يقال: إنه بناه عندما كان عائداً من بيت المقدس في السنة الخامسة عشر من الهجرة .
وفي دُومة الجندل – أيضاً – وقع التحكيم المشهور بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في سنة سبع وثلاثين من الهجرة ؛ وذلك لأن دُومة الجندل وأهلها لزموا الحياد في صراع علي مع معاوية رضي الله عنهما حتى كان عام الجماعة سنة (41هـ) فبايعت دُومة الجندل ضمن من بايع من المسلمين لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه خليفةً للمسلمين .
وفي عصر الدولة الأموية (41-132هـ) كان لقبائل دُومة الجندل – خصوصاً بنو كلب والسكون من كندة – أثر في الحياة السياسية لذلك العصر حتى أطلق عليه بعض المؤرخين: عصر عزِّ بني كلب ، فساهمت في قمع العديد من الحركات والثورات الخارجة على بني أمية ، وكان لها الأثر الواضح في ضبط بعض الجوانب الإدارية للدولة الأموية ، كما أسهمت تلك القبائل في إثراء حركة الجهاد والفتح الإسلامي في ذلك العصر ، خاصة فيما يتعلق بحروب المسلمين مع الدولة البيزنطية ، وذلك بحكم قِدَم معرفة أهل دُومة الجندل بالدولة البيزنطية .
وفي العصر الأموي – أيضاً – هاجر أغلب سكان دُومة الجندل إلى بلاد الشام بما فيها: (الأردن ، دمشق ، فلسطين ) بحكم مصاهرتهم لخلفاء الدولة الأموية ولأسباب أخرى لايتسع المجال لذكرها هنا.
ولما سقطت الدولة الأموية على يد بني العباس سنة (132هـ) عاد أغلب أهلها الذين هجروها إليها بسبب الاضطهاد الذي منو به على يد خلفاء الدولة العباسية (132-656هـ) .
وفي شهر ربيع الأول سنة (351هـ) مرَّ المتنبي الشاعر المعروف بدُومة الجندل خلال هروبه من مصر عندما كان متجهاً نحو العراق فذكر في قصائده بعض المدن والمواضع الواقعة ضمن الحدود الإدارية لدُومة الجندل ، والتي منها:
طُردت من مصر أيديها بأرجلها حتى مرقن بنا من جوشٍ والعلم
وقال أيضاً:
وجابت بُسيطة جوب الرَّداء بين النـَّعَـام وبيــن المهـــا
إلى عُقدة الجوف حتى شَفَت بماء الجِرَاوِيَ بعض الصدا
ولاحَ لها صـورٌ والصَّبـَــاح ولاحَ الشَّغـور لها والضَّحَا
وقال أيضاً:
ُبسيطة مهلاً سُقيت القطارا تركــت عيــون عبيــدي حيارا
فظنوا النعام عليك النخيل وظنـوا الصـوار عليــك المنــارا
فأمسك صحبي بأكوارهم وقد قصد الضحك منهم وجارا
وبعد الزحف المغولي على بغداد وإسقاطهم للدولة العباسية سنة (656هـ) أصبحت دُومة الجندل ضمن منطقة الحياد التي كانت بين الدولة المغولية التي نشأة في العراق بعد سقوط بغداد وبين دولة المماليك (658-923هـ) التي استطاعت صد الزحف المغولي على البلاد الإسلامية في معركة عين جالوت سنة (658هـ) .
وبقيام دولة المماليك – التي اتخذت من القاهرة في مصر عاصمة لدولتها – زاد التهميش لدُومة الجندل كما هو حاصل لبقية مناطق الجزيرة العربية عدا مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وذلك لما بقي لهما من أهمية دينية تتمثل في نيل شرف الخطبة على المنابر خاصة في مواسم الحج ، لا سيما وأن خلفاء الدولة المملوكية عبارة عن مماليك عبيد بحاجة إلى مايدعم سلطتهم الشرعية .
ورغم كل هذا فإن دُومة الجندل حافظت على أهميتها كعاصمة لمنطقة شمالي الجزيرة العربية ، وذلك لما أضفاه لها موقعها الاسترتيجي المتوسط فيما بين بلاد العراق وبلاد الشام وبين بلاد الحجاز فكانت تمر بها أهم الطرق التجارية وطرق الحج العراقية والشامية خلال تلك الفترة الزمنية .
وظلت دُومة الجندل عاصمة لمنطقة واسعة النطاق منذ ما قبل الإسلام وحتى دخلت هذه المدينة في حقب التاريخ الحديث ، وفي أوآخر القرن الثالث عشر الهجري دخلت هذه المدينة في حكم الدولة العثمانية (923-1343هـ) ، ولكن بعد الضعف الذي ساد خلفاءها المتأخرين بدأت الأقاليم تأخذ استقلاليتها ، فكان أن وقعت منطقة دُومة الجندل بقراها وهجرها بين فكي كمَّاشة مزقتها كل ممزق ، وجعلت منها نتفاً صغيرة وقرىً مبعثرة لا رابط بينها سوى الصراعات الدموية والعرقية التي سادت المنطقة بشكل عام . ذلك أن حكام حائل (آل علي ، ومن بعدهم آل رشيد) أرادوا بسط نفوذهم على المنطقة عموماً فشنوا الكثير من الحملات العسكرية عليها ، وفعلاً تم لهم بعض ما أرادوا ، فاستطاعوا ضم مدينة (دُومة الجندل وسكاكا وقارا) إلى نفوذهم .
وكذا أراد (آل الشعلان) في قرية كاف ووادي السرحان بسط نفوذهم على المنطقة ، فكان أن قاموا ببعض الحملات العسكرية عليها وسيطروا على الأجزاء الشمالية لدُومة الجندل ، وأصبحت دُومة الجندل تعيش صراعات بين آل رشيد وآل الشعلان ، وتستقر هذه الحالة في بعض الأوقات: كفترة ضم الدولة السعودية الأولى لها (1208-1233هـ) والدولة السعودية الثانية (1240-1309هـ) وفيما عدا ذلك تعود دُومة الجندل لتكون مسرحاً لتلك الصراعات .
وفي ظل التاريخ السعودي شهدت دُومة الجندل غارة عليها من قِبَل جيش الدولة السعودية الأولى في عام (1206هـ) بقيادة أمير جبل شمر في ذلك الوقت محمد بن عبدالمحسن بن علي آل علي بقصد ضم دُومة الجندل ، وتقابلت تلك الحملة مع مجموعة من قبيلة الشرارات في دومة الجندل وحصل بينهم قتال عنيف ، غير أن هذه الحملة لم تتمكن من تحقيق مطالبها .
ولما لم تحقق الحملة الأولى أهدافها المنشودة فإن القيادة السعودية قررت إعادة الكرَّة ، وذلك عن طريق إرسال حملة أخرى في عام (1208هـ) بقيادة محمد بن معيقل ، وفعلاً تمكنت الدولة السعودية من إدخال دُومة الجندل وسكانها البادية والحاضرة إلى حكمها .
وبسقوط الدولة السعودية الأولى سنة (1233هـ) عادت دُومة الجندل إلى صراعاتها السابقة حتى سنة (1240هـ) وهي السنة التي دخلت فيها دُومة الجندل بقراها وهجرها إلى حكم الدولة السعودية الثانية في عهد الإمام تركي بن عبدالله رحمه الله ، واستمرت على ذلك إلى مابعد وفاة الإمام فيصل بن تركي رحمه الله سنة (1282هـ) ، حيث بدأت الصراعات الأهلية بين أبنائه ، فكان نهايتها سقوط الدولة السعودية الثانية سنة (1309هـ) على يد ابن رشيد حاكم جبل شمر في ذلك الوقت ، فعادت دُومة الجندل إلى تلك الاضطرابات السابقة والصراع الرشيدي الشعلاني حتى سنة (1341هـ) حين دخلت دُومة الجندل بمدنها وقراها وهجرها في طاعة الملك عبدالعزيز رحمه الله ، عدا منطقة وادي السرحان الذي كان – في ذلك الوقت – منفصلاً عن نفوذ دُومة الجندل ، وذلك عندما استقل به الشعلان في صراعاتهم مع آل رشيد ، وجعلوا من قرية كاف مركزاً لحكمهم .
أما وادي السرحان فإنه لم يدخل في حكم الملك عبدالعزيز إلا سنة (1344هـ) لأسباب سياسية تتعلق بمشكلات ترسيم الحدود مع حكومة شرق الأردن .
وظلت دُومة الجندل رغم قلة نفوذها في التاريخ المعاصر عمَّا كان في السابق : ظلت هي العاصمة الإدارية لمنطقة الجوف حتى سنة (1351هـ) حيث تم انتقال مقرَّ الإمارة من دُومة الجندل إلى مدينة سكاكا لأسباب إدارية بالدرجة الأولى . وبذلك تحولت دُومة الجندل من مركز القيادة إلى مركز التبعيَّة في المنطقة ، ولكنها رغم كل هذا لاتزال تحتفظ بعمقها التاريخي ودورها الريادي الذي سجله لها التاريخ بكل حقبه ؛ إذن فلن تضيرها تلك التغيرات الإدارية الطارئة لكونها تؤمن أنها أدت دوراً بارزاً في هذه المنطقة ، ولفترة طويلة .
ودُومة الجندل هي اليوم احدى محافظات منطقة الجوف في شمالي المملكة العربية السعودية ، وتقع بقرب الدرجة 49َ/39ْ طولاً شرقياً و 52َ/29ْ عرضاً شمالياً .
وحسب نظام المناطق في المملكة العربية السعودية فإن منطقة الجوف احدى مناطق المملكة العربية السعودية ، وتتكون من مدينة سكاكا مقر الإمارة والعاصمة الإدارية للمنطقة ، ومن محافظة القريات فئة (أ) ، ومحافظة دُومة الجندل فئة (ب) ، ومن حوالي مئتي مركز وهجرة .
وتشتهر دُومة الجندل بكثرة النخيل ، وإنتاج التمر بأنواع مختلفة ، وعذوبة المياه ، وكثرة الآثار فيها .
ومناخها بصفة عامة صحراوي قاري شديد البرودة شتاءً وحار جاف صيفاً .
والله الموفق وهو يهدي السبيل ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .