عرض مشاركة واحدة
قديم 06-19-2012, 08:47 PM   #3
مدير شبكة ومنتديات محافظة دومة الجندل


الصورة الرمزية أدوماتو
أدوماتو غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 6
 تاريخ التسجيل :  Jul 2007
 أخر زيارة : 06-25-2025 (03:15 AM)
 المشاركات : 21,226 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



لماذا درس ابن تيمية الفلسفة؟

ويشيد أبو زهرة بردود ابن تيمية على الفلاسفة، ويبين لماذا درس الفلسفة ويعقد فصلاً يقارن فيه بين دراسة ابن تيمية للفلسفة ودراسة الغزالي لها فيقول:
درس ابن تيمية الفلسفة وعرفها، ولكنه درسها ليهدمها، وهو قد رآها داء قد أصاب فكر المسلمين، فجعل منهم المتكلمين والمتفلسفين، وأنها سرت إلى العقل الإسلامي فسيطرت على مساربه، ويروي أنه قبل أن يخوض في بيان العقيدة الإسلامية وموافقتها لصريح المعقول لا بد من إبعاد العناصر الفلسفية التي هي أخيلة وأوهام، كما يبعد عن الجسم الإنساني الأخلاط الضارة لتتم سلامته، فيقول في ذلك:
"لما كان بيان مراد الرسول في هذه الأبواب لا يتم إلا بدفع المعارض العقلي، وامتناع تقديم ذلك على نصوص الأنبياء، بينا في هذا الكتاب فساد القانون الفاسد الذي صدوا به الناس عن سبيل الله. وعن فهم مراد الرسول وتصديقه فيما أخبر به، إذ كان أي دليل أقيم على بيان مراد الرسول لا ينفع إذا قدر أن المعارض العقلي ناقضه، بل يصير ذلك قدحاً في الرسول، وقدحاً فيمن استدل بكلامه، وصار هذا بمنزلة المريض الذي تكون به أخلاط فاسدة تمنع انتفاعه بالغذاء، فلا ينفعه مع وجود هذه الأخلاط الفاسدة التي تفسد الغذاء، فكذلك القلب الذي اعتقد قيام الدليل العقلي القاطع على نفي الصفات أو بعضها، أو نفي عموم خلقه لكل شيء وأمره ونهيه، أو امتناع المعاد أو غير ذلك لا ينفعه الاستدلال عليه في ذلك بالكتاب والسنة، إلا مع بيان فساد ذلك المعارض، وفساد المعارض قد يعلم جملة وتفصيلاً" (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول المطبوع على هامش منهاج السنة ص9 ج1).
الفرق بينه وبين الغزالي:
درس إذن ابن تيمية الفلسفة وما عند الفلاسفة، لا ليطلب الحقائق من ورائها، بل ليبين بطلان ما يعارض الدين منها، فهو آمن بما جاء به الرسول أولاً، ثم أراد أن ينفي عنه خبث الفلسفة، فدرس ذلك الخبث ليعرف حقيقته ثم ليبين بطلانه بعد معرفته.
وهو في هذا يفترق عن منهاج الغزالي رضي الله عنه، فهو قد درس الفلسفة ليطلب الحقيقة من ورائها، وخلص نفسه من كل شيء ليصل إلى الحق المستقيم، واعتبر الشك هو الطريق للوصول إلى الحق، ولكن تبين له بطلان ما يقوله الفلاسفة، فعاد إلى الدين، وأشرق في نفسه نور الحقائق في خلوات صوفية عرف فيها نفسه، ثم حمل حملته على الفلاسفة وبين تهافتهم.
ومع ذلك هل تجرد منها؟ إنه بقيت في نفسه أثارة منها، بل إنه لم يتركها إلا وقد تكون عقله تكوناً فلسفياً، وأخذ أحد شعب الفلسفة وجعله جزءاً من دراساته، وهو المنطق، فهو في مقدمة كتاب المستصفي في عالم الأصول، والذي يعد أحد دعائم علم أصول الفقه الثلاثة (الكتب الثلاثة هي: المعتمد لأبي الحسين البصري، والبرهان لإمام الحرمين، والمستصفي للغزالي) يقرر أن الحقائق لا يمكن أن تعرف في أي علم من العلوم على وجهها إلا إذا كان المنطق ميزانها، ويقول في مقدمة كتاب المستصفي التي شرح بها علم المنطق إجمالاً ما نصه:
"نذكر في هذه المقدمة مدارك العقول وانحصارها في الحد والبرهان، ونذكر شرط الحد الحقيقي، وشرط البرهان الحقيقي، وأقسامها على منهاج أو جزء مما ذكرناه في كتاب محك النظر، وكتاب معيار العلم، وليست هذه المقدمة من جملة علم الأصول، ولا من مقدماته الخاصة به، بل هي مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط بها فلا ثقة بعلومه أصلاً" (مقدمة المستصفي ص10 الجزء الأول).
وهذا إيمان بشعبة من شعب الفلسفة عميق، فإن علم المنطق فرع من فروعها، بل لعله أعظم تراث تركه أرسطو من بعده.
هذا هو الفرق بين المقصد عند هذين العالمين من دراسة الفلسفة، وقد تأدى بالأول إلى نقضها، وتأدى بالثاني إلى اعتناق بعضها، لذا قال بعض تلاميذ الغزالي: إنه دخل في بطن الفلسفة، ولما أراد الخروج منها لم يستطيع. فكانت منه تلك المناهج الفلسفية التي سلكها في دراسة العقائد، ودراسة أصول الفقه، بل كان منه تلك الحيرة التي بدت في آرائه في الفلسفة والفلاسفة، فبينما تراه يحمل على الفلاسفة، ويبين تهافتهم، تراه يقبض قبضة من علومهم ويجعلها وحدها ميزان العلوم، ولذا قال ابن تيمية فيه:
"كان أبو حامد ما يوجد في كلامه من الرد على الفلاسفة، وتكفيره لهم، وتعظيم النبوة وغير ذلك، ومع ما يوجد فيه من أشياء صحيحة حسنة، بل عظيمة القدر نافعة يوجد في بعض كلامه مادة فلسفية وأمور أضيفت توافق أصول الفلاسفة المخالفة للنبوة، بل المخالفة لصريح العقل، حتى تكلم فيه جماعات من علماء خراسان والعراق والمغرب" (شرح العقيدة الأصفهانية ص115).
ويقول فيه أيضاً:
"وأبو حامد لا يوافق المتفلسفة على كل ما يقولون، بل يكفرهم ويضللهم في موضع، وإن كان في الكتب المضافة إليه ما قد يوافق بعض أصولهم، بل في الكتب التي يقال إنها مضنونة بها على غير أهلها ما هو في الفلسفة مضنونة مخالفة لدين المسلمين واليهود والنصارى، وإن كان قد عبر عنها بعبارات إسلامية، لكن هذه الكتب في الناس من يقول إنها مكذوبة على أبي حامد، ومنهم من يقول: بل رجع عنها، ولا ريب أنه صرح في بعض المواضع ببعض ما قاله في هذه الكتب، وأخبر في المنقذ من الضلال، وغيره في كتبه بما في هذه من الضلال" (الكتاب المذكور ص49).
ثم بين أن الغزالي كان ينقل كتب الفلسفة، وأقوال الفلاسفة، وينقل عن أبي عبدالله المازري الفقيه المتكلم فيقول:
"قال (ابن المازري) ووجدت هذا الغزالي يعول على ابن سينا في أكثر ما يشير إليه في علوم الفلسفة، حتى إنه في بعض الأحايين ينقل نص كلامه من غير تغيير، وأحياناً يغيره، وينقله إلى الشرعيات أكثر مما نقل ابن سينا، لكونه أعلم بأسرار الشرع منه، فعلى ابن سينا ومؤلف رسائل إخوان الصفا عول الغزالي في علم الفلسفة"

نقده للفلاسفة:

من هذا يتبين كيف غمر الغزالي نفسه في الفلسفة ولم يستطيع الخروج منها، لأنه طلبها ليعرف الحقيقة من ورائها فكانت نيته في الطلب سبباً في أن أحاط به غمارها، وكان يعيش في أقطارها، فالتقى العلم الشرعي بالعقل الفلسفي، ففلسف الشريعة، أو ألبس الفلسفة لبوس الشرع من حيث يشعر أو لا يشعر.
أما ابن تيمية فقد طلبها ليهدمها، فكان يقرؤها ويفهمها، وهو في غير محيطها، ولم ينغمر في غمارها، وشدد النكير على الغزالي في منهاجه، وأخذ يتبع هفواته ويتقصى هناته.
ولقد كان يرى أن علم الشرع من النبوة وحدها، سواء في ذلك أصول العقيدة، وفروع الفقه والأحكام العلمية، لأن النبوة جاءت بكل ذلك، فما جاءت به النبوة مصدر العلم به وطريق معرفته، ولا طريق سواه، ويرى أن أولئك الذين يضعون مقدمات عقلية تسبق الدراسة الشرعية، ويجعلون ما جاء في القرآن يسير على منهاجها، فيؤولون صريحة ليوافقها، إنما يجعلون علم العقل فوق علم النبوة، ويقول في ذلك:
"يقدمون في كتبهم الكلام في النظر والدليل والعلم، وأن النظر يوجب العلم وأنه واجب، ويتكلمون في جنس النظر وجنس الدليل وجنس العلم بكلام قد اختلط فيه الحق بالباطل، ثم إذا صاروا إلى ما هو الأصل والدليل في الدين استدلوا بحدوث الأعراض على حدوث الأجسام، وهو دليل مبتدع في الشرع" (معارج الوصول ص4 من مجموعة رسائل لابن تيمية طبعة الخانجي).
ينقد ابن تيمية هؤلاء، لأنهم يقدمون عند دراستهم لما جاءت به النبوة تلك الدراسة العقلية عليها، ثم يحكمون على الأوصاف التي جاءت في القرآن بقوانينها، ويوجهونها بتوجيهها، فما يوافقها أقروه كما ورد، وما لم يوافقها وجهوه على اتجاهها، وأولوه بتأويلها، ثم هم في هذا السبيل لم يلتفتوا إلى السنة، ولم يعلموا أنها شارحة الكتاب، مبينة لكل ما جاء فيه، وأنها الطريق الوحيد لتفسيره.
نقد ابن تيمية هذا المسلك، لأنه يجعل الحاكم محكوماً، فيجعل النبوة التي هي حاكمة هادية للعقول محكومة بها خاضعة


ابن تيمية: جهاده للنصيريين وفضحه لعقائد الباطنيين :

*رسالة الشيخ ابن تيمية إلى السلطان محمد بن قلاوون يبين فيها مشروعية حربه للباطنيين من النصيرية وأضرابهم ممن كانوا بجبال سوريا ولبنان.
خاض الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية حروباً كثيرة بعضها في مقابل التتر المتسترين بالإسلام وبعضها ضد النصيرية والباطنية الكفرة المعادين لأهل الإسلام والموالين لأعدائه من التتر والصليبيين، وبعد واقعة جبل كسروان (بلبنان) سنة 704هـ التي هزم فيها هؤلاء المارقون كتب ابن تيمية كتاباً إلى السلطان المذكور يذكر فيها ما أنعم الله سبحانه وتعالى به على الإسلام وأهله. في هذه الغزوة كتب ابن تيمية يقول:
بسم الله الرحمن الرحيم
من الداعي أحمد بن تيمية إلى سلطان المسلمين، ومن أيد الله في دولته الدين، وأعز بها عباده المؤمنين، وقمع فيها الكفار والمنافقين والخوارج المارقين، نصره الله ونصر به الإسلام، وأصلح له وبه أمور الخاص والعام، وأحيى به معالم الإيمان، وأقام به شرائع القرآن، وأذلّ به أهل الكفر والفسوق والعصيان.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فانّا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير. ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين، وإمام المتقين محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً.
أما بعد. فقد صدق الله وعده، ونصر عبده وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. وأنعم الله على السلطان، وعلى المؤمنين في دولته نعماً لم تعهد في القرون الخالية. وجدد الإسلام في أيامه تجديداً بانت فضيلته على الدول الماضية. وتحقق في ولايته خبر الصادق المصدوق، أفضل الأولين والآخرين، الذي أخبر فيه عن تجديد الدين في رؤوس المئين والله تعالى يوزعه والمسلمين شكر هذه النعم العظيمة في الدنيا والدين، ويتمها بتمام النصر على سائر الأعداء المارقين.
وذلك: أن السلطان -أتم الله نعمته- حصل للأمة بيمن ولايته وحسن نيته، وصحة إسلامه وعقيدته، وبركة إيمانه ومعرفته، وفضل همته، وشجاعته، وثمرة تعظيمه للدين وشرعته، ونتيجة اتباعه لكتاب الله وحكمته، ما هو شبيه بما كان يجري في أيام الخلفاء الراشدين وما كان يقصده أكابر الأئمة العادلين: من جهاد أعداء الله المارقين من الدين، وهم صنفان:
أهل الفجور والطغيان، وذوو الغي والعدوان، الخارجون عن شرائع الإيمان، طلباً للعلو في الأرض والفساد، وتركا لسبيل الهدى والرشاد. وهؤلاء هم التتار، ونحوهم من كل خارج عن شرائع الإسلام وإن تمسك بالشهادتين، أو ببعض سياسة الإسلام.
والصنف الثاني: أهل البدع المارقون، وذوو الضلال المنافقون، الخارجون عن السنة والجماعة، المفارقون للشرعة والطاعة. مثل هؤلاء الذين غزوا بأمر السلطان من أهل الجبل، والجرد، والكسروان. فإن ما منّ الله به من الفتح والنصر على هؤلاء الطغام، هو من عزائم الأمور التي أنعم الله بها على السلطان وأهل الإسلام.
وذلك: أن هؤلاء وجنسهم من أكابر المفسدين في أمر الدنيا والدين فإن اعتقادهم: أن أبا بكر وعمر وعثمان، وأهل بدر، وبيعة الرضوان وجمهور المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الإسلام وعلماؤهم أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، ومشايخ الإسلام وعبادهم، وملوك المسلمين وأجنادهم، وعوام المسلمين وأفرادهم. كل هؤلاء عندهم كفار مرتدون، أكفر من اليهود والنصارى. لأنهم مرتدون عندهم والمرتد شر من الكافر الأصلي. ولهذا السبب يقدمون الفرنج والتتار على أهل القرآن والإيمان.
ولهذا لما قدم التتار إلى البلاد، وفعلوا بعسكر المسلمين ما لا يحصى من الفساد، وأرسلوا إلى أهل قبرص فملكوا بعض الساحل، وحملوا راية الصليب، وحملوا إلى قبرص من خيل المسلمين وسلاحهم وأسراهم ما لا يحصى عدده إلا الله، وأقام سوقهم بالساحل عشرين يوماً يبيعون فيه المسلمين والخيل والسلاح على أهل قبرص، وفرحوا بمجيء التتار، هم وسائر أهل هذا المذهب الملعون، مثل أهل جزين (مدينة معروفة بالبقاع بلبنان). وما حواليها. وجبل عامل ونواحيه.
ولما خرجت العساكر الإسلامية من الديار المصرية، ظهر فيهم (أي في النصيرية وأهل الجبل المارقين) من الخزي والنكال ما عرفه الناس منهم. ولما نصر الله الإسلام النصرة العظمى عند قدوم السلطان (هو السلطان الناصر بن قلاوون سلطان مصر والشام)، كان بينهم شبيه بالعزاء.
كل هذا، وأعظم منه، عند هذه الطائفة التي كانت من أعظم الأسباب في خروج جنكسخان إلى بلاد الإسلام، وفي استيلاء هولاكو على بغداد، وفي قدومه إلى حلب، وفي نهب الصالحية، وفي غير ذلك من أنواع العداوة للإسلام وأهله.
لأن عندهم أن كل من لم يوافقهم على ضلالهم فهو كافر مرتد، ومن استحل الفقّاع (شراب يصنع من الشعير وسمي كذلك لما يعلوه من الزبد-لسان العرب) فهو كافر. ومن مسح على الخفين فهو عندهم كافر. ومن حرم المتعة فهو عندهم كافر. ومن أحب أبا بكر أو عمر، أو عثمان، أو ترضي عنهم أو عن جماهير الصحابة فهو عندهم كافر. ومن لم يؤمن بمنتظرهم فهو عندهم كافر.
وهذا المنتظر صبي عمره سنتان أو ثلاث، أو خمس. يزعمون أنه دخل السرداب بسامرا من أكثر من أربعمائة سنة. وهو يعلم كل شيء. وهو حجة الله على أهل الأرض. فمن لم يؤمن به فهو عندهم كافر. وهو شيء لا حقيقة له، ولم يكن هذا في الوجود قط.
وعندهم من قال: إن الله يرى في الآخرة فهو كافر. ومن قال: إن الله تكلم بالقرآن حقيقة فهو كافر. ومن قال: إن الله فوق السموات فهو كافر ومن آمن بالقضاء والقدر وقال: إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأن الله يقلب قلوب عباده، وأن الله خالق كل شيء، فهو عندهم كافر. وعندهم أن من آمن بحقيقة أسماء الله وصفاته التي أخبر بها في كتابه وعلى لسان رسوله، فهو عندهم كافر.
هذا هو المذهب الذي تلقنه لهم أئمتهم. مثل بني العود. فإنهم شيوخ أهل هذا الجبل. وهم الذين كانوا يأمرونهم بقتال المسلمين. ويفتونهم بهذه الأمور.
وقد حصل بأيدي المسلمين طائفة من كتبهم تصنيف ابن العود وغيره. وفيها هذا وأعظم منه. وهم اعترفوا لنا بأنهم الذين علموهم وأمروهم لكنهم مع هذا يظهرون التقية والنفاق. ويتقربون ببذل الأموال إلى من يقبلها منهم. وهكذا كان عادة هؤلاء الجبلية. فإنما أقاموا بجبلهم لما كانوا يظهرونه من النفاق، ويبذلونه من البرطيل (الرشاوي) لمن يقصدهم.
والمكان الذي لهم في غاية الصعوبة. ذكر أهل الخبرة أنهم لم يروا مثله. ولهذا كثر فسادهم. فقتلوا من النفوس، وأخذوا من الأموال، ما لا يعلمه إلا الله.
ولقد كان جيرانهم من أهل البقاع وغيرها معهم في أمر لا يضبط شره، كل ليلة تنزل عليهم منهم طائفة، ويفعلون من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد. كانوا في قطع الطرقات وإخافة سكان البيوتات على أقبح سيرة عرفت من أهل الجنايات، ويرد إليهم النصارى من أهل قبرص فيضيفونهم ويعطونهم سلاح المسلمين، ويقعون بالرجل الصالح من المسلمين. فإما أن يقتلوه أو يسلبوه. وقليل منهم من يفلت منهم بالحيلة.
فأعان الله ويسر، بحسن نية السلطان وهمته، في إقامة شرائع الإسلام، وعنايته بجهاد المارقين أن غزوا غزوة شرعية، كما أمر الله ورسوله، بعد أن كشفت أحوالهم، وأزيحت عللهم، وأزيلت شبههم، وبذل لهم من العدل والإنصاف ما لم يكونوا يطمعون به، وبين لهم أن غزوهم اقتداء بسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قتال الحرورية (الحرورية: هم الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب وسموا كذلك لأن أول خروجهم كان ببلدة تسمى حروراء).
المارقين، الذين تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بقتالهم ونعت حالهم، من وجوه متعددة. أخرج منها أصحاب الصحيح عشرة أوجه: من حديث علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري. وسهل بن حنيف، وأبي ذر الغفاري. ورافع بن عمرو، وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال فيهم: [يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد. لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم لاتكلوا عن العمل. يقتلون أهل الإسلام. ويدعون أهل الأوثان. يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، شر قتلى تحت أديم السماء. خير قتلى من قتلوه].
وأول ما خرج هؤلاء، زمن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه. وكان لهم من الصلاة، والصيام، والقراءة، والعبادة، والزهادة ما لم يكن لعموم الصحابة. لكن كانوا خارجين عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن جماعة المسلمين. وقتلوا من المسلمين رجلاً اسمه عبدالله بن خباب (هو عبدالله بن خباب بن الأرت -بفتح الخاء وتشديد الباء وفتح الهمز والراء المهملة وتشديد التاء-. له رؤية ولأبيه صحبة. قال في أسد الغابة: كان طائفة من الخوارج أقبلوا من البصرة إلى إخوانهم من أهل الكوفة، فلقوا عبدالله بن خباب ومعه امرأته. فقالوا له: من أنت؟ قال أنا عبدالله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فأثنى خيراً عليهم، فذبحوه، فسال دمه في الماء، وقتلوا المرأة وهي حامل ملم منه، فقالت: أنا امرأة، ألا تتقون الله؟ فبقروا بطنها، وذلك سنة سبع وثلاثين، وكان من سادات المسلمين) وأغاروا على دواب للمسلمين.
وهؤلاء القوم كانوا أقل صلاة وصياماً. ولم نجد في جبلهم مصحفاً ولا فيهم قارئاً للقرآن. وانما عندهم عقائدهم التي خالفوا فيها الكتاب والسنة. وأباحوا بها دماء المسلمين. وهم مع هذا فقد سفكوا من الدماء وأخذوا من الأموال مالا يحصى عدده إلا الله تعالى.
فإذا كان علي بن أبي طالب قد أباح لعسكره أن ينهبوا ما في عسكر الخوارج، مع أنه قتلهم جميعهم، وأن هؤلاء أحق بأخذ أموالهم. وليس هؤلاء بمنزلة المتأولين الذين نادى فيهم علي بن أبي طالب يوم الجمل: "أنه لا يقتل مدبرهم ولا يجهز على جريحهم، ولا يغم لهم مالاً ولا يسبى لهم ذرية" لأن مثل أولئك لهم تأويل سائغ. وهؤلاء ليس لهم تأويل سائغ. ومثل أولئك إنما يكونون خارجين عن طاعة الإمام. وهؤلاء خرجوا عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته. وهم شر من التتار من وجوه متعددة. لكن التتر أكثر وأقوى. فلذلك يظهر كثرة شرهم.
وكثير من فساد التتر هو لمخالطة هؤلاء لهم، كما كان في زمن قازان وهولاكو، وغيرهما. فإنهم أخذوا من أموال المسلمين أضعاف ما أخذوا من أموالهم. وأرضهم لبيت المال.
وقد قال كثير من السلف: إن الرافضة لا حق لهم في الفيء. لأن الله إنما جعل الفيء للمهاجرين والأنصار {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} فمن لم يكن قلبه سليماً لهم، ولسانه مستغفراً لهم، لم يكن من هؤلاء.
وقطعت أشجارهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حاصر بني النضير قطع أصحابه نخلهم وحرقوه. فقال اليهود: هذا فساد. وأنت يا محمد تنهى عن الفساد. فأنزل الله {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين}.
وقد اتفق العلماء على جواز قطع الشجر، وتخريب العامر، عند الحاجة إليه، فليس ذلك بأولى من قتل النفوس وما أمكن غير ذلك.
فإن القوم لم يحضروا كلهم من الأماكن التي اختفوا فيها، وأيسوا من المقام في الجبل إلا حين قطعت الأشجار. وإلا كانوا يختفون حيث لا يمكن العلم بهم. وما أمكن أن يسكن الجبل غيرهم. لأن التركمان إنما قصدهم الرعي، وقد صار لهم مرعى، وسائر الفلاحين لا يتركوا عمارة أرضهم ويجيئون إليه.
فالحمد لله الذي يسر هذا الفتح في دولة السلطان بهمته وعزمه وأمره، وإخلاء الجبل منهم، وإخراجهم من ديارهم.
وهم يشبهون ما ذكره الله في قوله: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر. ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله. فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب. يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار. ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار. ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب. ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين} (الحشر:2-5).
وأيضاً فإنه بهذا قد انكسر من أهل البدع والنفاق بالشام ومصر والحجاز، واليمن والعراق ما يرفع الله بن درجات السلطان، ويعز به أهل الإيمان.
ثم يستطرد الشيخ ناصحاً للسلطان بوجوب إقامة أحكام الإسلام فيقول:
تمام هذا الفتح وبركته تقدم مراسم السلطان بحسم مادة أهل الفساد، وإقامة الشريعة في البلاد. فإن هؤلاء القوم لهم من المشايخ والإخوان في قرى كثيرة من يقتدون، بهم وينتصرون لهم. وفي قلوبهم غلّ عظيم. وإبطان معاداة شديدة، لا يؤمنون معها على ما يمكنهم. ولو أنه مباطنة العدو. فإذا أمسك رؤوسهم الذين يضلونهم -مثل نبي العود- زال بذلك من الشر ما لا يعلمه إلا الله.
ويتقدم إلى قراهم. وهي قرى متعددة بأعمال دمشق، وصفد، وطرابلس، وحماة، وحمص، وحلب بأن يقام فيهم شرائع الإسلام، والجمعة، والجماعة، وقراءة القرآن، ويكون لهم خطباء ومؤذنون، كسائر قرى المسلمين، وتقرأ فيهم الأحاديث النبوية. وتنشر فيهم المعالم الإسلامية، ويعاقب من عرف منهم بالبدعة والنفاق بما توجبه شريعة الإسلام.
فإن هؤلاء المحاربين وأمثالهم قالوا: نحن قوم جبال. وهؤلاء كانوا يعلموننا ويقولون لنا: أنتم إذا قاتلتم هؤلاء تكونون مجاهدين. ومن قتل منكم فهو شهيد.
وفي هؤلاء كثير لا يقرون بصلاة، ولا صيام، ولا حج ولا عمرة، ولا يحرمون الميتة، والدم، ولحم الخنزير، ولا يؤمنون بالجنة والنار. من جنس الاسماعيلية، والنصيرية والحاكمية، والباطنية، وهم كفار أكفر من اليهود والنصارى بإجماع المسلمين.
فتقدم المراسيم السلطانية بإقامة شعائر الإسلام: من الجمعة، والجماعة، وقراءة القرآن، وتبليغ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في قرى هؤلاء من أعظم المصالح الإسلامية. وأبلغ الجهاد في سبيل الله.
وذلك سبب لانقماع من يباطن العدو من هؤلاء، ودخولهم في طاعة الله ورسوله، وطاعة أولي الأمر من المسلمين.
وهو من الأسباب التي يعين الله بها على قمع الأعداء.
فإن ما فعلوه بالمسلمين في أرض (سيس) نوع من غدرهم الذي به ينصر الله المسلمين عليهم. وفي ذلك لله حكمة عظيمة. ونصرة للإسلام جسيمة.
قال ابن عباس "ما نقض قوم العهد إلا أديل عليهم العدو".
ولولا هذا وأمثاله ما حصل للمسلمين من العزم بقوة الإيمان، وللعدو من الخذلان، ما ينصر الله به المؤمنين، ويذل به الكفار والمنافقين.
والله هو المسئول أن يتم نعمته على سلطان الإسلام خاصة، وعلى عباده المؤمنين عامة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والحمد لله وحده. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.



ابن تيمية: جنازة مشهودة :

قال الشيخ علم الدين البرزالي في تاريخه: وفي ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة توفي الشيخ الإمام العالم العلم العلامة الفقيه الحافظ الزاهد العابد المجاهد القدرة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن شيخنا الإمام العلامة المفتي شهاب الدين أبي المحاسن عبدالحليم بن الشيخ الإمام شيخ الإسلام أبي البركات عبدالسلام بن عبدالله بن أبي القاسم محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبدالله بن تيمية الحراني ثم الدمشقي، بقلعة دمشق بالقاعة التي كان محبوساً بها، وحضر جمع كثير إلى القلعة، وأذن لهم في الدخول عليه، وجلس جماعة عنده قبل الغسل وقرأوا القرآن وتبركوا برؤيته وتقبيله، ثم انصرفوا، ثم حضر جماعة من النساء ففعلن مثل ذلك ثم انصرفن واقتصروا على من يغسله، فلما فرغ من غسله أخرج ثم اجتمع الخلق بالقلعة والطريق إلى الجامع وامتلأ الجامع أيضاً وصحنه والكلاسة وباب البريد وباب الساعات إلى باب اللبادين والغوارة، وحضرت الجنازة في الساعة الرابعة من النهار أو نحو ذلك ووضعت في الجامع، والجند قد احتاطوا بها يحفظونها من الناس من شدة الزحام، وصلى عليه أولاً بالقلعة، تقدم في الصلاة عليه أولاً الشيخ محمد بن تمام، ثم صلى عليه بالجامع الأموي عقيب صلاة الظهر، وقد تضاعف اجتماع الناس على ما تقدم ذكره، ثم تزايد الجمع إلى ضاقت الرحاب والأزقة والأسواق بأهلها ومن فيها، ثم حمل بعد أن صلى عليه على الرؤوس والأصابع، وخرج النعش به من باب البريد واشتد الزحام وعلت الأصوات بالبكاء والنحيب والترحم عليه والثناء والدعاء له، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم وثيابهم، وذهبت النعال من أرجل الناس وقباقيبهم ومناديل عمائم لا يلتفتون إليها لشغلهم بالنظر إلى الجنازة، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم وتارة يتأخر، وتارة يقف حتى تمر الناس.
وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها وهي شديدة الزحام، كل باب أشد زحمة من الآخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدة الزحام فيها، لكن كان معظم الزحام من الأبواب الأربعة: باب الفرج الذي أخرجت منه الجنازة، وباب الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية. وعظم الأمر بسوق الخيل وتضاعف الخلق وكثر الناس، ووضعت الجنازة هناك وتقدم للصلاة عليه هناك أخوه زين الدين عبدالرحمن، فلما قضيت الصلاة حمل إلى مقبرة الصوفية فدفن إلى جانب أخيه شرف الدين عبدالله رحمهما الله، وكان دفنه قبل العصر بيسير، وذلك من كثرة من يأتي ويصلي عليه من أهل البساتين وأهل الغوطة وأهل القرى وغيرهم، وأغلق الناس حوانيتهم ولم يتخلف عن الحضور إلا من هو عاجز عن الحضور، مع الترحم والدعاء له، ولو أنه قدر ما تخلف، وحضر نساء كثيرات بحيث حزرن بخمسة عشر ألف امرأة، غير اللاتي كن على الأسطح وغيرهن، الجميع يترحمن ويبكين عليه فيما قيل.
وأما الرجال فحزروا بستين ألفاً إلى مائة ألف إلى أكثر من ذلك إلى مائتي ألف وشرب جماعة الماء الذي فضل من غسله، واقتسم جماعة بقية السدر الذي غسل به، ودفع في الخيط الذي كان فيه الزئبق الذي كان في عنقه بسبب القمل مائة وخمسون درهماً وقيل إن الطاقية التي كانت على رأسه دفع فيها خمسمائة درهم. وحصل في الجنازة ضجيج وبكاء كثير وتضرع وختمت له ختمات كثيرة بالصالحية وبالبلد وتردد الناس إلى قبره أياماً كثيرة ليلاً ونهاراً يبيتون عنده ويصحون، ورؤيت له منامات صالحة كثيرة، ورثاه جماعة بقصائد جمة.

ثم استطرد ابن كثير قائلاً:

قال: وقد اتفق موته في سحر ليلة الاثنين المذكور، فذكر ذلك مؤذن القلعة على المنارة بها وتكلم به الحراس على الأبرجة، فما أصبح الناس إلا وقد تسامعوا بهذا الخطب العظيم والأمر الجسيم، فبادر الناس على الفور إلى الاجتماع حول القلعة من كل مكان أمكنهم المجيء منه، حتى من الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهل الأسواق شيئاً، ولا فتحوا كثيراً من الدكاكين التي من شأنها أن تفتح أوائل النهار على العادة، وكان نائب السلطنة تنكز قد ذهب يتصيد في بعض الأمكنة، فحارت الدولة ماذا يصنعون، وجاء الصاحب شمس الدين غبريال نائب القلعة فعزاه فيه، وجلس عنده، وفتح باب القلعة لمن يدخل من الخواص والأصحاب والأحباب، فاجتمع عند الشيخ في قاعته خلق من أخصاء أصحابه من الدولة وغيرهم من أهل البلد والصالحية، فجلسوا عنده يبكون ويثنون *على مثل ليلى يقتل المرء نفسه* وكنت فيمن حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي رحمه الله، وكشفت عن وجه الشيخ ونظرت إليه وقبلته، وعلى رأسه عمامة بعذب مغروزة وقد علاه الشيب أكثر مما فارقناه. وأخبر الحاضرين أخوه زين الدين عبدالرحمن أنه قرأ هو والشيخ منذ دخل القلعة ثمانين ختمة وشرعاً في الحادية والثمانين، فانتهينا فيها إلى آخر اقتربت الساعة {إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر} فشرع عند ذلك الشيخان الصالحان الخيران عبدالله بن المحب وعبدالله الزرعي الضرير -وكان الشيخ رحمه الله يحب قراءتهما- فابتدأ من أول سورة الرحمن حتى ختموا القرآن وأنا حاضر أسمع وأرى.
ثم شرعوا في غسل الشيخ وخرجت إلى مسجد هناك ولم يدعوا عنده إلا من ساعد في غسله، منهم شيخنا الحافظ المزي وجماعة من كبار الصالحين الأخيار، أهل العلم والإيمان، فما فرغ منه حتى امتلأت القلعة وضج الناس بالبكاء والثناء والدعاء والترحم، ثم ساروا به إلى الجامع فسلكوا طريق العمادية على العادية الكبيرة، ثم عطفوا على ثلث الناطفانيين، وذلك أن سويقة باب البريد كانت قد هدمت لتصلح، ودخلوا بالجنازة إلى الجامع الأموي، والخلائق فيه بين يدي الجنازة وخلفها عن يمينها وشمالها مالا يحصى عدتهم إلا الله تعالى، فصرخ صارخ وصاح صائح هكذا تكون جنائز أئمة السنة فتباكى الناس وضجوا عند سماع هذا الصارخ ووضع الشيخ في موضع الجنائز مما يلي المقصورة، وجلس الناس من كثرتهم وزحمتهم على غير صفوف، بل مرصوصين رصاً لا يتمكن أحد من السجود إلا بكلفة جُوّ الجامع وبرّى الأزقة والأسواق، وذلك قبل آذان الظهر بقليل، وجاء الناس من كل مكان، ينوي خلق الصيام لأنهم لا يتفرغون في هذا اليوم لأكل ولا لشرب، وكثر الناس كثرة لا تحد ولا توصف، فلما فرغ من أذان الظهر أقيمت الصلاة عقبه على السدة خلاف العادة، فلما فرغوا من الصلاة خرج نائب الخطيب لغيبة الخطيب بمصر فصلى عليه إماماً، وهو الشيخ علاء الدين الخراط، ثم خرج الناس من كل مكان من أبواب الجامع والبلد كما ذكرنا، واجتمعوا بسوق الخيل، ومن الناس من تعجل بعد أن صلى في الجامع إلى مقابر الصوفية، والناس في بكاء وتهليل في مخافته كل واحد بنفسه، وفي ثناء وتأسف، والنساء فوق الأسطحة من هناك إلى المقبرة يبكين ويدعين ويقلن هذا العالم.
وبالجملة كان يوماً مشهوداً لم يعهد مثله بدمشق إلا أن يكون في زمن بني أمية حين كان الناس كثيرين، وكانت دار الخلافة، ثم دفن عند أخيه قريباً من أذان العصر على التحديد، ولا يمكن أحد حصر من حضر الجنازة، وتقريب ذلك أنه عبارة عمن أمكنه الحضور من أهل البلد وحواضره ولم يتخلف من الناس إلا القليل من الصغار والمخدرات

قال ابن كثير:

"ثم ذكر الشيخ علم الدين بعد إيراد هذه الترجمة جنازة أبي بكر بن أبي داود وعظمها، وجنازة الإمام أحمد ببغداد وشهرتها، وقال الإمام أبو عثمان الصابوني: سمعت أبا عبدالرحمن السيوفي يقول: حضرت جنازة أبي الفتح القواس الزاهد مع الشيخ أبي الحسن الدارقطني فلما بلغ إلى ذلك الجمع العظيم أقبل علينا وقال سمعت أبا سهل بن زياد القطان يقول سمعت عبدالله بن أحمد بن حنبل يقول سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز، قال ولا شك أن جنازة أحمد بن حنبل كانت هائلة عظيمة، بسبب كثرة أهل بلده واجتماعهم لذلك، وتعظيمهم له، وأن الدولة كانت تحبه، والشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله توفي ببلدة دمشق، وأهلها لا يعشرون أهل بغداد حينئذ كثرة، ولكنهم اجتمعوا لجنازته اجتماعاً لو جمعهم سلطان قاهر، وديوان حاصر لما بلغوا هذه الكثرة التي اجتمعوها في جنازته، وانتهوا إليها. هذا مع أن الرجل مات بالقلعة محبوساً من جهة السلطان، وكثير من الفقهاء والفقراء يذكرون عنه للناس أشياء كثيرة، مما ينفر منها طباع أهل الأديان، فضلاً عن أهل الإسلام. وهذه كانت جنازته
وقال أيضاً:
"وما علمت أحداً من أهل العلم إلا النفر اليسير تخلف عن الحضور في جنازته، وهم ثلاثة أنفس: وهم ابن جمله، والصدر، والقفجاري، وهؤلاء كانوا قد اشتهروا بمعاداته فاختفوا من الناس خوفاً على أنفسهم، بحيث أنهم علموا متى خرجوا قتلوا وأهلكهم الناس"

ثناء الناس عليه بعد وفاته:

وتردد شيخنا الإمام العلامة برهان الدين الفزاري إلى قبره في الأيام الثلاثة وكذلك جماعة من علماء الشافعية، وكان برهان الدين الفزاري يأتي راكباً على حماره وعليه الجلالة والوقار رحمه الله.
وعملت له ختمات كثيرة ورؤيت له منامات صالحة عجيبة، ورثي بأشعار كثيرة وقصائد مطولة جداً. وقد أفردت له تراجم كثيرة، وصنف في ذلك جماعة من الفضلاء وغيرهم




كتب الشيخ ومؤلفاته :




رسالة في علم الباطن والظاهر للتحميل
مسألة الأحرف التي أنزلها الله على آدم للتحميل
الوصية الجامعة لخير الدنيا والآخرة
للتحميل
شرح حديث النزول للتحميل
مخُتصَر مِنْهَاجِ السُّنّة للتحميل
الرد الأقوم على ما في فصوص الحكم للتحميل
رسالة في الحقيقة والمجاز للتحميل
الكيـلانيــة للتحميل
جواب أهل العلم والإيمان أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن للتحميل
الرسالة القبرصية للتحميل
الرد على البكري للتحميل
مَسْأَلَةٌ الأحَادِيثُ الَّتِي يَرْوِيهَا الْقُصَّاصُ وَغَيْرُهُمْ بِالطُّرُقِ للتحميل
القاعدة المراكشية للتحميل
رسالة إلى أهل البحرين في رؤية الكفار ربهم للتحميل
الرسالة الأكملية للتحميل
الأربعين التي رواها شيخ الإسلام بالسند للتحميل
الرسالة العرشية للتحميل
رسالة في إيضاح الدلالة في عموم الرسالة للتحميل
الأكليل في المتشابه والتأويل للتحميل
رسالة في أمراض القلوب وشفاؤها للتحميل
التبيان في نزول القرآن للتحميل
معارج الوصول للتحميل
الرد على اليهود والنصارى للتحميل
العقيدة الواسطية للتحميل
قاعدة في المحبة للتحميل
كتاب الصفدية للتحميل
زيارة القبور والاستـنجاد بالمقبور للتحميل
الإكليل في المتشابه والتأويل للتحميل
فضل أبي بكر الصِّديق رضي الله عنه للتحميل
الإيمان الكبير للتحميل
قاعدة في الأموال السلطانية للتحميل
كتاب الإيمان الأوسط للتحميل
سؤال وجواب ( أين الله ) ؟ للتحميل
حقوق آل البيت بين السنة والبدعة اضغط هنا
مقتل علي بن أبي طالب والحسين للتحميل
صحة أصول مذهب أهل المدينة للتحميل
رفع الملام عن الأئمة الأعلام للتحميل
بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة للتحميل
النبوات للتحميل
الرد على بن عربي للتحميل
العـبـوديـة للتحميل
الحسنة والسيئة للتحميل
الاستقامة للتحميل
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية للتحميل
رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية إلى والدته للتحميل
المنطق للتحميل
رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الملك الناصر للتحميل
الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح للتحميل
الصارم المسلول على شاتم الرسول للتحميل
اقتضاء الصراط المستقيم للتحميل
السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية للتحميل
شرح العقيدة الأصفهانيه للتحميل
الواسطة بين الحق والخلق للتحميل
شرح العمدة في الفقة للتحميل
التحفة العراقية للتحميل
دقائق التفسير للتحميل
منهاج السنة النبوية للتحميل
درء تعارض العقل والنقل للتحميل
لامية شيخ الإسلام ابن تيمية للتحميل
الجواب الباهر في زوار المقابر للتحميل
الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان للتحميل
العقيدة التدمرية للتحميل
العقيدة الحموية الكبرى للتحميل
السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية للتحميل
مقدمة في أصول التفسير للتحميل
قاعـدة جليلة في التوسل والوسيلة للتحميل


المصدر : كتاب لمحات من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية ((عبدالرحمن عبدالخالق)) ؛ موقع ابن تيمية ؛موقع المشكاة ؛وبعض مواقع الشبكة


 
 توقيع : أدوماتو



ايميل الموقع للمراسلة والاستفسار

daljandal@hotmail.com
مواضيع : أدوماتو



رد مع اقتباس
 
1 1 1 2 2 2 5 5 5 6 6 6 7 7 7 8 8 8 9 9 9 10 10 10 11 11 11 12 12 12 13 13 13 14 14 14 15 15 15 17 17 17 18 18 18 19 19 19 20 20 20 24 24 24 25 25 25 28 28 28 29 29 29 30 30 30 31 31 31 36 36 36 37 37 37 38 38 38 40 40 40 41 41 41 43 43 43 45 45 45 47 47 47 48 48 48 49 49 49 50 50 50 51 51 51 55 55 55 56 56 56 58 58 58 59 59 59 60 60 60 61 61 61 62 62 62 63 63 63 64 64 64 65 65 65 66 66 66 68 68 68 69 69 69 72 72 72 74 74 74 75 75 75 76 76 76 77 77 77 78 78 78 79 79 79 80 80 80 81 81 81 82 82 82 87 87 87 89 89 89 90 90 90 91 91 91 92 92 92 93 93 93
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64